به اطلاع دوستان عزيز می رساند در صورت تمايل میتوانند کتابهای چاپ شده اینجانب با عناوين ذیل را از طريق مکاتبه با آدرس ايميل jamal_talebii@yahoo.com تهيه نمايند:

1 ـ صرف و نحو کاربردی 1و2 قرائت و ترجمه (قیمت 90000ريال)

2 ـ اسلام و شعر (100000ريال)

3 ـ جلوه‌های تربيت در مکتب اهل بيت (60000ريال)

4 ـ حقايق قرآنی پيرامون مسأله فلسطين (در شرف چاپ)

5 ـ چرا من شيعه هستم (در شرف چاپ)

کتابهای مذکور با تخفيف 40 درصدی به دوستان عزيز ارائه می‌شود.

به اطلاع دوستان عزیز و بزرگوار می رساند کتاب اسلام و شعر ترجمه مشترک بنده و آقای یعقوب نجمی توسط انتشارات مطیع قم در 278صفحه چاپ شد.

کتاب جلوه های های تربیت در مکتب اهل بیت ترجمه مشترک بنده و آقای صمد رمزی قره قشلاقی در شرف چاپ می باشد.

کتاب حقائق قرآنی پيرامون آرمان فلسطین دیگر اثر ترجمه ای بنده و آقای سید عسکر سیدی خواهد بود.

۱ ـ جلد اول کتاب صرف و نحو کاربردی مطابق با سرفصل های جدید وزارت علوم تحقیقات و فناوری تالیف اینجانب و دکتر رسول بهنام توسط انتشارات مطيع قم چاپ شد.(کتاب مذکور در ۳ جلد تالیف شده است)

۲ ـ ترجمه کتاب الإسلام و الشعر تحت عنوان اسلام و شعر توسط اینجانب و آقای یعقوب نجمی در 278 صفحه توسط انتشارات مطيع قم چاپ شد.

۳ ـ ترجمه کتاب لماذا أنا شیعی تحت عنوان چرا من شیعه هستم، از وزارت ارشاد و فرهنگ مجوز چاپ گرفته که بعد از عید به زیر چاپ خواهد رفت.

ففي المطارات ولدنا

نعرف القصّة

لکن.. لن نموت

في الموانئ

الأدب ومذاهبه

الواقع أنّ المفهوم التّقليدي للأدب عند العرب لم يتبلور قطّ في تحديد فلسفي لهذا اللفظ حتّی إذا ابتدأت نهضتنا المعاصرة وأخذنا نحدّد معنی الأدب وفنونه في مناهجنا الدراسية والثقافية استقرّ الرأی علی تعريف سطحي ضيّق يقول:

"إنّ الأدب هو الشعر والنثر الفني]نثر الخطب والرسائل والمقامان والأمثال السائرة[ ثمّ الأخذ من کلّ شئ بطرَف".

 

الأدب عند الغربيين

"إنّ الأدب يشمل کافة الآثار اللغوية التي تثير فينا بفضل خصائص صياغتها انفعالات عاطفية أو إحساسات جمالية" وبذلک لايميّزون الأدب بالصنعة فحسب.بل يميّزونه بأثره النّفسي الذي ينبعث عن خصائص صياغته. وبهذا التعريف يخرج من الأدب التفکير العلمي الجافّ والتفکير السطحي المجرد ولکنّه لايخرج الکثير من الکتابات الفلسفية أو الاجتماعية أو التاريخية المصوغة بصياغة أدبية کمحاورات أفلاطون التي تحمل من عوامل الإثارة ومن الخصائص الجمالية ما يفرضها علی کتب تاريخ الأدب ومناهجه.

 

تعريف الأدب عند الغربيين

أ ـ إنّ الأدب صياغة فنيّة لتجربة بشرية.(انتشر هذا التعريف عند العرب وعنه صدر المازني والعقّاد عند نقدهما لشوقي وحافظ وبخاصة في کتاب الديوان).[D1] 

*إنّ أدباء العرب وخاصّة شعراءه المعاصرين قد فسّروا عبارة التجربة البشرپة بمعناها الضيّق فقالوا إنّها التجربة الشخصية التي يجب أن يصدر عنها الشاعر وإلّا کان شعره کاذباً، وبذلک أدخلوا علی الأدب وبخاصّة الشعر مقاييس الصدق والکذب.( هذا الفهم قد غفل دور الخيال لأنّ الشاعر والأديب يستطيعان أن يخلقا بخيالهما تجارب بشرية قد تکون أعمق صدقاً وأکثر غنی من واقع الحياة).

 

وفي الحقّ أنّ مفهوم التجربة البشرية عند الغربيين أبعد ما يکون عن أن يقتصر علی التجربة الشخصية. وللأديب الفرنسي بيير لويس قصّة رائعة تعالج مشکلة الخلق الفنّي وفيها يعرض قصّة فنان إغريقي قديم قيل: إنّه أراد أن يرسم لوحة زيتية لـ بروميثيوس ذلک الإله الإنساني الذي قالت الأساطير إنّه سرق النار من جذوة الشمس وحملها إلی البشر فأثار بذلک غضب "زيس" کبير الآلهة وعاقبه زيس الطاغية بأن شدّه إلی صخرة وأرسل إليه نسراً جارحاً ينهش کبده بالنّهار ثمّ يترکه أثناء الليل ليعود کبده إلی النموّ من جديد ثمّ يعود النسر إلی النهش بالنهار. وأراد الفنان الإغريقي أن يصوّر الألم علی وجه بروميثيوس فلم يجد سبيلاً إلی ذلک إلّا أن يستحضر عبداً وأن يأخذ في کيّه بالنّار ليستطيع التقاط أمارات الألم الذي تبدو علی وجهه. وبالرغم أن لوحة الفنان قد جاءت رائعة روعة استطاع بفضلها أن يهدّئ ثائرة الشعب الذي تجمّع صاخباً عندما علم بتعذيب الفنان للعبد، فبادر الفنان باطّلاع الجمهور الثائر علی اللوحة فهدأت ثائرته. نقول بالرغم من نجاح الفنان عندما التقط صورته من الواقع إلا أن الأدباء والنقاد والمفکرين وفي مقدمتهم الکاتب الکبير "جورج ديهامل" لم يقرّوا بيير لويس کما لم يقرّوا الفنان الإغريقي علی مسلکه ولم يستسيغوا خاتمة قصّته، وذلک لإيمانهم بفقر ذلک الخيال الذي يحتاج إلی توليد الألم بالفعل لکی يصوّره.

والواقع أنّ التجربة البشرية لاتقتصر علی التجربة الشخصية للأديب وإنّما تشمل:

1ـ التجربة الشخصية

وهی تلک التي تسوقها للأديب أو الشاعر أحداثُ الحياة علی نحو ما نری دستيوفسکي مثلا يقصّ ويحلل مشاعر المحکوم عليه بالإعدام وهو ينتظر تنفيذ الحکم. أو علی نحو ما نری موسيه يصّ محنته وآلامه في حبّه العاثر لجورج صاند. فهذه وأمثالها تجارب بشرية شخصيّة لاشکّ في صلاحيتها لتغذية کلّ ملکة أدبية صادقة.

2ـ التجربة التاريخية

وذلک لما هو معلوم من أنّ التاريخ معين لا ينضب لتجارب البشر أفراداً وأمماً، وباستطاعة الأديب أو الشاعر أن يتخيّر من التاريخ ما شاء من تجارب يحيلها أدباً وذلک کما قال أرسطو بأن يخرجها من الخصوص إلی العموم.

إنّ من الأدباء مثل دوماس الأب مؤلف القصص التاريخية العديدة مَن تحلّل من وقائع التاريخ قائلاً: التاريخ؟ من يعرفه؟ إن هو إلّا مسمار أشجب فيه لوحاتي. والواقع أنّ للأديب الحقّ أن يعمل في التاريخ خياله کما يعمله في الواقع الحياة المعاصرة. وعلی هذا النّحو استطاع شکسبير أن يعيد خلق تلک الشخصيّات الإنسانية الخالدة أمثال هملت ومکبث ويوليوس قيصر... وأن يفلت بها من إطار الواقع التاريخي الخاص إلی المجال الإنساني العام.

3ـ التجارب الأسطورية

إنّ الأساطير الشعبية تترکز فيها غالباً تجارب الإنسان البدائية، وهی تجارب تحدثنا عن موقف الإنسان من القوی الطبيعية ومن الآلهة الخيالية والکائنات الواقعية، وباستطاعة الأديب أن يلتقط منها ما يشاء من التجارب البشرية وأن يتّخذ منها هياکل لأدبه.وذلک بشرط أن يکون خيالها من القوة بحيث يستطيع أن يجسم رموزها أو أن يحيلها إلی کائنات بشرية تحسّ وتتألم وتفکر وأن يتصور التجربة وينفعل بها ويفکّر خلالها علی نحو ما نری شاعراً کشنييه يتحدث عن الفتی الأسطوري الجميل "هيلاس" الذي قيل إنه بلغ من الجمال حدّاً حمل حوريات البحر علی أن تضمّه إلی صدرها الجميل وتغوص به تحت الماء حتی لقي حتفه.

4ـ التجربة الاجتماعية

وهی تلک التي يستقيها الأديب أو الشاعر من محيطه الاجتماعي أو الإنساني المعاصر، وهو في تصويره لهذه التجارب يعتمد علی الملاحظة والخيال کما يعتمد علی قراءة ما صوّره الأدباء الآخرون من تلک التجارب.

5ـ التجارب الخيالية   

التجارب التي لا تمکنه ظروف الحياة من أن يعيشها نراه يتخذ الأدب وسيلة لکي يعيشها بالخيال. فالشاعر الذي تواتيه مثلاً فرصة لکی يعشق ويحسّ العشق والغرام قد يستطيع بخياله أن يعيش هذه التجربة في أدبه.

 

ب ـ إنّ الأدب نقد للحياة[D2] 

وکلمة نقد criticism مأخوذة من الفعل اليوناني crino ومعناه "يميّز". وهذ التعريف يتطلّب من الأديب أن يصدر أحاماً صريحة أو ضمنية علی عناصر الحياة المختلفة. وهنا لا يقف الأديب عند عملية التمييز والتحليل والکشف، بل يعدوها إلی مرحلة الغربلة والدفع. وذلک لکی يساهم في تطوير نفسه أو مجتمعه أو الإنسانية کلّها.

 

فنون الأدب

ميّز الأروبيون منذ عصر الإغريق القدماء ثلاثة فنون کبيرة وهی:

1ـ شعر الملاحم     2ـ الشعر التمثيلي      3ـ الشعر الغِنائي

 شعر الملاحم فقد ازدهر في فجر الإنسانية وهو الشعر الذي يقصّ أنباء المعارک والبطولة والأبطال علی نحو ساذج خالٍ من التعقيدات العقلية والفنية حتّی ليظنّ أنّ الملحمتين اللتين تعتبران المثل الأعلی لهذا الفنّ وهما الإلياذة والأوديسا لم يبتکرهما شاعر بعينه، وإنّما ابتکر أجزاءهما المختلفة شعراء شعبيون متعددون.

ونستطيع أن نسجّل أنّ فنّ الملاحم انتقل بعد العصر القديم من الأدب الفني إلی الأدب الشعبي ثمّ انتهی الأمر إلی الاختفاء فلم تعد الإنسانية تبتکر ملاحم جديدة وإن ظلّت تطرب للملاحم القديمة فنية کانت أو شعبية.

أما فن الأدب التمثيلي فقد کان يصاغ هو الآخر عند اليونان الأقدمين شعراً سواء منه المآسي والملاهي. بل وکان يجمع فيه بين الشعر والغناء والموسيقی والرقص حيث نری أجزاء المسرحية الإغريقية القديمة تتکون من مشاهد حوارية وأغنيات للجوقة مصحوبة بحرکات من الرقص البدائي متعاقبة الواحد بعد الآخر حتی نهاية المسرحية. انفصل في القرن الخامس عشر الغناء عن الحوار التمثيلي ويندر في العصر الحديث أن نجد أدباء کباراً يکتبون مسرحات شعرية ( کان بعض شعراءنا المعاصرين کأحمد شوقي وعزيز أباظة قد کتبوا بعض المسرحيات الشعرية).

وأخيراً هناک فن الشعر الغنائي وهو شعر القصائد والمقطوعات. والملاحظ أنّ فن الشعر قد أوشک في العصر الحاضر أن ينحصر في هذا النوع الغنائي بعد أن اختفی شعر الملاحم وبعد أن حلّ النثر محلّ الشعر في الأدب التمثيلي.

 

العرب والمذاهب الأدبية

من المعلوم أنّ الشعر وهو أعظم مظاهر الأدب عند العرب قد طغی عليه التقليد حتّی تحجّرت فنونه وأغراضه وأصوله بل ومعانيه وأخيلته علی نحو يوهم بأنّ هذا الأدب لم يعرف شيئاً من تلک المذاهب الأدبية التي تتلاحق عند الغربيين منذ عصر النهضة حتی اليوم.

·       إنّنا لانستطيع أن نسمّي الاتجاه العذري مذهباً شعريّاً، ذلک لأنّه ظلّ اتجاهاً تلقائيّاً ولدته ظروف روحية واجتماعية خاصّة ولم يصل يوماً عندهم إلی حدّ المذهب القائم علی وعی فلسفي أو نقدي يفصل أسسه ويوضح قيمته وأهدافه.

·       محاولة أبي نواس في الخروج علی تقاليد القصيدة العربية لم تنجح ولم تکوّن مذهباً لأنّ أبا نواس نفسه اضطرّ إلی أن يخضع للتقاليد الشعرية المتوارثة في المدائح لکی يصل إلی رفد ممدوحيه.

·       ظهر في العصر العباسي مذهب أدبي له کافة الخصائص المذهبية. هذا المذهب سمّی بمذهب البديع الذي اعتبر أبوتمام مثلاً له.

وبالرغم من کلّ هذه الحقائق فإنّنا لا نستطيع أن نزعم أن الأدب العربي قد تتابعت فيه مذاهب الأدب المختلفة الواعية المستندة إلس أسس فلسفية ونقدية واضحة کما حدث في الآداب الغربية. وهذا شئ طبيعي لأنّ المذاهب الأدبية العامة لم تأخذ في الظهور في العالم الغربي إلّا منذ عهد النهضة والبعث العلمي أی منذ بدء انتشار الثقافة ونمو التفکير البشري بعد أن خرجت الإنسانية من ظلام القرون الوسطی بينما ظلّت مصر والعالم العربي کلّه غارقين في ذلک الظلام حتی ابتدأت حرکة البعث والنهوض متأخرة عن زميلتها في العالم الغربي بما يقرب من أربعة قرون.    

 

نشأة مذاهب الأدب في الغرب

إنّ کلّ مذهب أدبي يتضمّن صوراً أو خصائص وأصولاً فنية کما يحتوي علی مضمون أو مادّة.

 

1ـ الکلاسيکية

تعتبر الکلاسيکية أول وأقدم مذهب أدبي نشأ في أروبا بعد حرکة البعث العلمي التي ابتدأت في القرن الخامس عشر الميلادي، ومن المعلوم أنّ أساس تلک النهضة قد کان بعث الثقافة والآداب اليونانية واللاتينية القديمة، کما تعتبر العودة إلی الآداب العربية القديمة مبدأ النهضة الأدبية  المعاصرة عند العرب. وبالرغم من أنّ طلائع هذا البعث قد ظهرت في إيطاليا التي نزح إليها في أول الأمر علماء وأدباء بيزنطة حاملين معهم المخطوطات الإغريقية واللاتينية بعد سقوط بيزنطة أو القسطنطنية في يد الأتراک، فإنّ فرنسا تعتبر المهد الحقيقي للکلاسيکية أو التربة التي نمت وأينعت. وذلک لأنّ الفرنسيين اعتبروا أنفسهم الورثة الحقيقيين لأتيکا وهی المقاطعة التي تقع فيها مدينة أثينا والتي ظهرت فيها عيون الأدب والتفکير الإغريقي.

والکلاسيکية في معناها اللغوي مشتقة من الکلمة اليونانية کلاسيس Classis التي تفيد أصلاً "وحدة في الأسطول" ثمّ أصبحت تفيد "وحدة دراسية" أی "فصلاً مدرسيّاً". والأدب الکلاسيکي يتکوّن من المؤلفات الإغريقية واللاتينية القديمة التي أفلتت من طوفان الزمن وحرصت الإنسانية علی إنقاذها من الفناء لما فيها من خصائص فنية وقيم إنسانية تضمن لها الخلود وتجعلها أداة صالحة لتربية الناشئين في أصول الدراسة.

والواقع أنّ الأصول النظرية التي وضعها أرسطو هی التي تعتبر إنجيل الکلاسيکية. کان هذا الفيلسوف الجبّار لم يتناول في کتابه "الشعر" غير فنی الملاحم والدراما، وقد أغفل الحديث عن الفن الغنائي الذي نظنّ أنه قد اعتبره أدخل في الموسيقی منه في الأدب، کما أنّ أغلب اهتمامه قد انصرف إلی الأدب التمثيلي بفرعيه التراجيديا والکوميديا أکثر من انصرافه إلی فنّ الملاحم.

والواقع أنّ ما وصل إلينا من روائع الأدب الإغريقي القديم يتمثّل معظمه في ملحمتي هوميروس، وفي تمثيلات اسکيلوس وسوفوکليس وأيروبيدس وأرستوفانيس. وأما الشعر الغنائي فقد ضاع معظمه وهو أجوده. وأغلب ما وصل إلينا منه يرجع إلی عصر الإسکندرية وهو عصر کانت الصنعة والتقليد قد غلبا عليه، وأفقداه قيمته الإنسانية والجمالية بحيث أصبح غير جدير بالمحاکاة والاحتذاء.

ولقد حاول الشاعر الفرنسي رونسار في أوائل عصر النهضة أن يحيي فن الملاحم فأنشأ ملحمته المسماة "الفرنسياد" يقصّ فيها أعمال البطولة التي أتاها فرانسوا الأول في غزوه لإيطاليا، ولکن الملحمة لم تنجح لأنّ عصر الملاحم فيما يبدو کان قد ولی.

 

خصائص الکلاسيکية  

1ـ الکلاسيکية من الناحية الفنية تحرص علی جودة الصياغة اللغوية وفصاحة التعبير في غير تکلّف ولا زخرفة لفظية. وإذا کانت جودة العبارة أحد أصولها فإنّ الوضوح أصلها الثاني.

2ـ لمّا کانت الکلاسيکية تهدف إلی التعبير الفصيح الجيّد عن المعاني الواضحة المحددة فقد کان من الطبيعة أن يکون اعتمادها الأول علی العقل الواعي المتزن الذي يکبح الغرائز والعواطف ويسيطر عليها بإدراک خفاياها وعملها الدفين. فالکلاسيکية تشعّ بضوء العقل وتنفر من کلّ عنف أو إسراف عاطفي ولذلک تميّزت بالقسط والاعتدال.

وبحکم کلّ هذه الخصائص کان من الطبيعي أن تتجه الکلاسيکية نحو الأدب الموضوعي. وهذا النوع من الأدب يتمثّل خاصّة في المسرحية أو القصّة. ولمّا کان اليونان القدماء والرومان لم يترکوا قصصاً بينما ترکوا مسرحيات. هذا من الممکن أن ترجع کافة القواعد التي قيّد بها الکلاسيکيون فن التأليف المسرحي إلی أصل عقلي عام تفرّعت عنه کافّة القواعد الأخری. وهذ الأصل هو مشاکلة الحياة وذلک باعتبار أنّ المسرح مرآة للحياة أو بعبارة أوضح مجهر للحياة. وتقتضي مشاکلتها للحياة أن يتوفّر لها ما سمّوه بالوحدات الثلاث وهی وحدة الموضوع ووحدة الزمان ووحدة المکان. وهی وحدات قال أرسطو بضرورة توفر الأول منها في المسرحية، بينما أشار إشارة عابرة إلی وحدتي الزمان والمکان باعتبار أنّهما من عناصر المعقولية.

لقد ورث الکلاسيکيون عن الإغريق والرومان القدماء تقسيماً دقيقاً لفنون المسرح احترموه وتقيّدوا به، ففنون المسرح تنقسم عند القدماء إلی تراجيديا وکوميديا ولکلّ منهما خصائصه المحددة التي لاينبغي أن تتداخل أو يجمع بينهما في المسرحية الواحدة.

فالتراجيديا مسرحية جادة نبيلة تثير الشفقة والخوف وتطهّر بهما النفس البشرية، وأسلوبها سامٍ رفيع وشخصيّاتها من الملوک والأمراء والأشراف، بل کانت عند القدماء من الآلهة أيضاً وأنصاف الآلهة.

أما الکوميدا فمسرحية هزلية تثير الضحک للتسلية أو النقد السياسي الاجتماعي أو لتصوير العيوب النفسية والاجتماعية. وهی تحاول إصلاحها. وهی وإن کانت تکتب شعراً إلّا أنّ لغتها کثيراً ما تسفّ وشخصياتها تؤخذ من عامة الشعب في الغالب.

ففي القرن الثامن عشر وهو قرن الفلسفة والوعی الاجتماعي الذي مهّد السبيل للثورة الفرنسية الکبری، رأينا الأدباء والمفکرين ينکرون علی الکلاسيکية أن تحصر الفنّ المسرحي في المأساة المفجعة والملهاة المقهقهة، ثمّ تدعی بعد ذلک أنّها للتتخذ من المسرح مرآة أو مجهراً للحياة. وقال اولئک الأدباء والمفکرون أنّ الحياة في نسيجها العام ليست مأساة وليست ملهاة، وإنّما يبکي النباس أو يقهقهون في أزمات أو فترات عارضة. والحياة في لونها الغالب المتّصل ليست بيضاء وليست سوداء وإنّما هی في الأعمب شئ رمادي لايفجعنا إلی حدب المأساة والبکاء، ولا يضحکنا إلی حدّ المأساة کما لاتبلغ حدّ الملهاة. انتهی هذا المنظر الفلسفي إلی ظهور نوع جديد من المسرحيات سمّوه بالدراما الدامعة Drame Larmoyant وهی الدراما التي لاتثير حزناً شديداً ولا فزعاً مفجعاً بل تکتفي بإثارة الأسی، وقد تغرورق منها العيون ولکنّها لاتنتحب بکاء. وکذلک الأمر في الکوميديا التي انتهی بها ماريفو وجهة لطيفة مهذبة أصلت في الکوميديا روحاً خاصة عرفت بالماريفودية نسبة إلی صاحبها وهی الروح التي تقوم علی الدعابة المهذبة والعبث اللطيف الخالي من کلّ إسفاف أو مرارة أو رغبة في النقد والتوجيه، وکلّ همها هو التسلية المهذبة فهی تثير الابتسام ولکنها لا تشقّ الأشداق. فالکوميديا الماريفودية تنفر من القهقهة الغليظة وتترفع عن الإسفاف في الضحک والإضحاک.

وفي القرن الثامن عشر أيضاً أخذت الأوضاع الاجتماعية تتغيّر، وإذا کانت الکلاسيکية قد استطاعت أن تحاکي القدماء فتقتصر التراجيديا علی تصوير مآسي الملوک والأمراء والنّبلاء فإنّ القرن الثامن عشر قد أخذ يشهد نموّ الطبقة البرجوازية وهی عندئذٍ الطبقة الوسطی التي ستشعل في نهاية ذلک القرن نيران الثورة الکبری التي أطاحت بالملک والأمراء والأشراف. وقد شاءت هذه الطبقة أن يعرض المسرح مشاکل حياتها. وأحسّ المفکّر ديدرو بحقيقة هذا التطور الاجتماعي فدعا إلی ما سمّاه بالدراما البرجوازية التي تختار موضوعاتها وشخصياتها من الطبقة الوسطی، وبذلک ظهر هذا النوع الجديد من المسرحيات إلی جوار التراجطديا والکوميديا اللذين قصرت عليهما الکلاسيکية الفن المسرحي.

والدراما البرجوازية لاتخرج علی الکلاسيکية من حيث موضوعاتها وشخصياتها فحسب بل وتخرج عليها أيضاً من حيث نوع المشاکل التي تعرضها، فالکلاسيکية لم تکن تحفل إلّا بالمشاکل الإنسانية العامّة حتّی ليسمّی أدبها بالأدب الإنسانيّ Humanisteأی الددب الذي يعالج مآسي الإنسان من حيث هو ذنسان في ذاته. فالصراع في التراجيديا الکلاسيکية مثلاً يدور داخل الإنسان بين عناصر منبعثة عن الطبيعة الإنسانية ذاتها کالحبّ والبغض والغيرة والأثرة والعقل والهوی، وما إلی ذلک من عواطف وأحاسيس يشترک فيها جميع البشر وتنبع کما قلنا عن الطبيعة الإنسانية في ذاتها. وجاء فلاسفة القرن الثامن عشر وبخاصّة ديدرو، قالوا إنّ مشاکل الإنسان لاتنبع کلّها من طبيعته کإنسان، بل إنّ منها ما ينبع من وضع الفرد في المجتمع، ومن العلاقات الاجتماعية التي تربطه بغيره من الأفراد بحيث يمکن أن يجد المؤلف المسرحي مادة خصبة لمآسيه من وضع العلاقات التي تربطهم بغيرهم، فهذه المأساة أو تلک قد تصيب الفرد لا لمجرد أنّه إنسان بل لأنّه طبيب أو محام أو تاجر أو فلاح کما لاتصيبه لأنّه أب أو أخ أو صهر. وبالفعل وضع ديدرو نفسه دراما بورجوازية علی هذا الأساس سمّاها "الابن الطبيعي" أی الابن غير الشرعي وصور فيها مأساته، ومنذ ذلک الحين وضعت البذرة الاجتماعية في الأدب کلّه.   

 

 

 

2ـ الرومانسية  

 بالرغم من أنّ الرومانسية لم تصبح مذهباً أدبيّاً إلّا بعدما لايقلّ عن قرن ونصف من ظهور الکلاسيکية فإنّ طابعها الأساسي قد کان الثورة علی الکلاسيکية وعلی کافّة أصولها وقواعدها حتی ليمکن أنّ الرومانسية قد کانت في جوهرها ثورة تحريرية للأدب من سيطرة الآداب الإغريقية واللاتينية القديمة، ومن کافّة الأصول التي استنبطت من تلک الآداب.

الرومانسية مشتقة من کلمة رومانيوس Romanius التي أطلقت علی اللغات والآداب التي تفرّعت من اللغة اللاتينية القديمة والتي کانت تعتبر في القرون الوسطی کلهجات عامية للغة روما القديمة أی اللغة اللاتينية، ولم تعتبر لغات وآداباً فصيحة إلّا ابتداء من عصر النهضة حيث أخذت تحلّ محل اللغة اللاتينية  کلغات ثقافة وعلم وأدب. وهذه اللغات هی المعروفة الآن بالفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية والرومانية والبروفانسالية، والرومانسية إحدی لهجات سويسرا.

يمکن القول بأنّ الرومانسية قد کانت حالة نفسية وتعبيراً عن تلک الحالة أکثر من کونها مذهباً أدبيّاً أحلّ أصولاً فنيّاً محلّ أصول أخری، وذلک لأنّ جوهرها کان التحلل من کلّ الأصول والقيود والتخفف من أغلالها لکی تتحرر العبقرية البشرية وتنطلق علی سجيّتها.

ولو أنّنا نظرنا في نشأة الرومانسية بفرنسا منذ أوائل القرن التاسع عشر لوجدنا أنّها لم تکن لتتغلب فيها علی الکلاسيکية ذات الجذور العميقة في المزاج الفرنسي والفلسفة الفرنسية، لولا أن تضافرت عدة ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية مهّدت لظهورها وخلقت عند الفرنسيين تلک الحالة النفسية التي تتميّز بها الرومانسية.

والذي لاشکّ فيه أنّ العقلية الفرنسية في جوهرها عقلية وضوح ومنطق واتّزان، وهی في ذلک تختلف عن العقلية الإنجليزية والعقلية الألمانية اللتين يغلب عليهما الغموض وجموح الخيال وتشعّب العاطفة. حتی ليؤمن الفرنسيون بأنّ تأثّر بعض کبار کتّابهم الذين هاجروا من فرنسا علی أثر قيام الثورة الفرنسية الکبری إلی إنجلترا وألمانيا بآداب تلک البلاد کانت من العوامل التي مهدت النفوس والأمزجة في فرنسا للرومانسية وبخاصّة شاتوبريان الذي هاجر إلی إنجلترا وتأثر بآدابها، بل وترجم إلی الفرنسية أثراً أدبيّاً ضخماً هو الفردوس المفقود لميلتون. ثمّ مدام دي ستايل التي هاجرت إلی ألمانيا وکتبت عنها کتاباً خالداً سمّته " عن ألمانيا" وفيه تتحدث عن الروح الألمانية التي تغلب الرومانسية علی طبيعتها وتعرف الفرنسيين بروائع الأدب الألماني الغارق في تلک الحالة النفسية.

والحقّ أنّ روسو الذي أنفق الجانب الأکبر من حياته في سويسرا قد مهّد ککاتب فرنسي منذ القرن التاسع عشر السبيل للرومانسية بثورته علی کافّة القيود والأوضاع والدعوة للعودة إلی الطبيعة وإلی الحياة الفطرية، إلّا أنّ هذه الدعوة لم تنته إلی ظهور الرومانسية کمذهب لو لم تتظافر ظروف الحياة في فرنسا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

إنّ الرومانسية کما قلنا ليست مذهباً أدبيّاً دعا إليه الکتّاب أو اصطنعوه اصطناعاً ـ وهی علی النقيً خروج علی کلّ مذهب وتحطيم لکلّ قيد ـ وإنّما هی حالة نفسية ولدتها الثورة وما تلاها من مجد نابليون ثمّ من انهيار ذلک المجد. ولکنّها أصبحت بعد ذلک مذهباً عند المقلّدين، الذي طوی الزمان ما أجهدوا فيه أنفسهم من سخف مصنوع.

استولی الحزن العميق بعد ذلک علی الشعراء  وانصرفوا إلی مناظر الطبيعة، وبل إلی أنقاض الماضي يفکّرون خلالها وتفکّر خلالهم، ثمّ إحساس دقيق بما بين الواقع والخيال، بما بين الفرد والجماعة، بما بين الحرية والقيود، بما بين الماضي والحاضر من صراع هو مصدر البلوی.

لقد اتّخذت الرومانسية من الشعر وسيلة للتعبير عن الذات، وکان هذا طبيعيّاً بعد ثورة حرّرت الفرد واعترفت للإنسان بحقوقه، وإن کانت الأحداث التي تلت تلک الثورة قد کيّفت هذه الذات تکييفاً خاصّاً فيه الکثير من الشکوی والتشاؤم والألم. وقد أصبح الرومانسيون يجدون في شقائهم نعيماً ونبلاً وفي الشعر عزاء عن هذا الشقاء، وإن کنّا نراهم أيضاً يهربون من أرزاء تلک الحياة إمّا إلی الطبيعة وإمّا إلی إله عاطفي قد تکون فيه بعض سمات إله المسيحية ولکنّه لايتقيّد بها.

وإذا کانت الرومانسية ترفض أن تتقيّد في فنّها بأصول أو أوضاع، فإنّها مع ذلک قد بلورت بطريقة تلقائية بعض الأصول والاتجاهات التي تميّزت بها مثل "مرض العصر" و "اللون المحلي" و الخلق الشعري" و " النغمة الخطابية". أمّا مرض العصر فقد أطلقوه علی تلک الحالة النفسية التي تتولد من عجز الفرد عن التوفيق بين القدرة والأمل اللذين يتعارضان فيشقی الفرد بهذا التعارض، ويظلّ يشقی شقاء لا مفرّ منه إلّا بأحد أمرين: إمآ أن يغيّر الفرد من طبيعته ويتخلّص من آماله ورغباته، أو تغيّر من طبائعها بحيث يستجيب لتلک الآمال والرغبات. ولمبا کان کلا الأمرين عسيراً إن لم يکن مستحيلاً فإنّ هذا الشقاء يصبح ضرورة يعبّرون عنها بمرض العصر ويتخذون الشعر وسيلة لشکواهم والأنين منه أو التمرّد عليه.

واللون المحلي عبارة حارب بها الرومانسيون الاتّجاه الإنساني العام عند الکلاسيکيين. فالرومانسية لا تريد أن تتحدث عن الإنسان في ذاته، ولا عن مشاعر الإنسان في ذاتها، بل عن أفراد البشرية وأفراد العواطف والأحاسيس، ولذلک تريد أن تضفي علی کلّ إنسان لونه المحلّي، فالأسباني غير الفرنسي، واليوناني غير الجرماني، وحبّ موسيه غير حبّ لامارتين أو هوجو، فلکلّ منهم لونه النفسي وخصائصه المميزة. 

وإذا کانت الکلاسيکية قد اعتمدت في فلسفتها الفنية علی نظرية المحاکاة التي قال بها أرسطو وجعلها منبعاً لکافّة الفنون، حتی اتّخذ الکلاسيکيون من مشاکلة المسرح للحياة أو محاکاته لها فيصلهم العام، فإنّ الرومانسيين قد تمرّدوا علی هذه الفلسفة، وقالوا إنّ الأدب عامة والشعر خاصة ليس محاکاة للحياة والطبيعة بل خلقاً، وأداة الخلق ليست العقل ولا الملاحظة المباشرة بل الخيال المبتکر أو المرلف بين العناصر المشتتة في الواقع الراهن أو في ذکريات الماضي بل وفي إرهاصات المستقبل وآماله.

أما النغمة الخطابية فإنّها في الحقّ لم تکن سمة عامة للرومانسية وإنّما انفرد بها بعض شعرائها، وبخاصة فيکتور هوجو في فرنسا وبيرون في إنجلترا، وذلک بينما نراها مناجاة عند لامارتين وانفجارات عاطفية عند موسيه، وإن تکن تلک النغمة الخطابية هی التي طغت علی المذهب عندما أصبح اصطناعاً لا يعبّؤ عن حالة نفسية حقيقية بل طرطشة عاطفية وتهافتاً مائيّاً وأنيناً کاذباً.

قصيدة " ليلة أکتوبر" للشاعر الفرنسي ألفريد دي موسيه من روائع الرومانسية، وهی تجري علی صورة حوار بين الشاعر وربّة الشعر حول تجربة حقيقية عاشها الشاعر وقاسی منها آلاماً مرّة في حبّ عاثر هو حبّه للکاتبة الفرنسية الشهيرة جورج صاند التط سافر معها إلی مدينة البندقية بإيطاليا حيث سقط الشاعر مريضاً وعاده طبيب إيطالي وقعت جورج صاند في حبّه وهجرت الشاعر المريض، الذي عاد إلی باريس محطماً  کسير القلب.

ومن المعلوم أنّ الشاعر الفرنسي الکبير زعيم الرومانسية في فرنسا وهو فيکتور هوجو قد استهلّ حياته المسرحية بترجمة مسرحيات شکسبير إلی اللغة الفرنسية، کما فعل من بعد الشاعر بودلير عندما مهد للرمزية في فرنسا بترجمة لقصص وأشعار إدجار ألان بو، وکما فعل أيضاً الشاعر لو کونت دي لژل عندما مهد للمذهب البارناسي الذي يستمدّ أصوله الفنية من الشعر الإغريقي القديم بترجمة إلياذة هوميروس شعراً فرنسياً جميلاً، بل وکما فعل من قبل شاتوبريان عندما مهد لدخول المسيحية في الشعر والأدب بدلاً من الوثنية الإغريقية بترجمته للفردوس المفقود لملتون.

والرومانسية سيطرت ردحاً من الزمن وبخاصّة في النصف الأول من القرن التاسع عشر علی الآداب الإنسانية الکبری، وقد أصابها انتصارها وسيطرتها بالکثير من الوهن والفساد والتصنّع. فزعمُها أنّ الأدب وحی وإلهام وخلق لا صناعة ومحاکاة ونظام قد انتهی بها عند المقلّدين وضعاف الملکات إلی إهمال الصياغة اللغوية وجمالها ومتانتها، کما أدّی بها أحياناً إلی ما يشبه هذيان الحسّ واضطراب العاطفة والتحرّر من کلّ نظام إلی الفوضی القبيحة، کما أدّی بها إلی استخدام الأدب والشعر في التعبير عن الذات أو الأنا الضيقة المحدودة وإلی إنزالها الأدب والشعر إلی مستوی الوسيلة الرخيصة بدلاً من أن يظلّ الأدب والشعر شيئاً مقدّساً، مکتفياً بذاته کغايظ سامية هی خلق الجمال ونحته من اللغة، کما تنحت التماثيل من الرخام وتتألف الصور من الضياء والألوان، أو أداة  لغايات أسمی من الفرد وأوسع من الأنا کخدمة المجتمع أو التقدّم بقضايا الإنسانية الکبری، هی قضايا موضوعية أسمی وأشمل من الفرد وآلامه أو لذاته، بل وانتهی الأمر بالاشتراکيين إلی النظر إلی الرومانسية علی أنّها أدب الأبراج العاجية وأدب الطبقة البرجوازية التي نهضت علی أنقاض الطبقة الأرستقراطية القديمة، ولکنّها لم تلبث أن أثّرت وتسکّعت واستبدت بفضل الصناعة وأرباحها الطائلة، کما کانت الأرستقراطية القديمة تثری وتتسکّع وتستبدّ بفضل الإقطاع والثروة الزراعية.

 

3ـ الواقعية

بالرجوع إلی تاريخ الفکر البشري والآداب الإنسانية الکبری نجد أنّ الواقعية قد کانت لها بذورها منذ أقدم الأزمنة، وکان التعارض قائماً بينها وبين المثالية Idialisme وکانت کلّ منهما تمثّل وجهة نظر فلسفية خاصة إلی الحياة والأحياء. فالواقعية تری الحياة في أصلها شرّاً ووبالاً ومحنة بينما تراها المثالية خيراً وسعادة ونعمة، إلّا أنّ هذا التعارض لم يمتدّ إلی الأدب ليخلق فيه مذهباً واقعيّاً إلّا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

والواقع أنّه إذا کان فلاسفة وأدباء القرن الثامن عشر قد غرسوا بذرة الرومانسية فإنّهم قد غرسوا أيضاً بذرة الواقعية. وإذا کنّا نری في القرن الثامن عشر روسو يمهّد للرومانسية في فرنسا ويؤمن بالمثالية التي تری أنّ الإنسان خيّر بطبعه، وأنّ الحياة الاجتماعية والحياة الحضرية هی التي أفسدته، فإننا نری علی العکس من ذلک فولتير يمهّد في نفس القرن للواقعية ويسخر في قصائده المسماة: أحاديث عن الإنسان وفي قصصه أمثال کانديد (أی: الساذج) أکبر السخرية من تلک المثالية الساذجة التي کان الشعراء الإنجليز من أمثال بوب وشافتسبري قد مهّدوا لها بتنغيمهم بخيرية الإنسان وأنّه ليس في الإمکان أبدع مما کان، وذلک بينما يری فولتير في تلک المثالية سذاجة وبلهاء ويتّخذ من کانديد مجالاً لإظهار ما ينزل بهذا الساذج من محن وما يتورّط فيه من مآزق نتيجة مثاليته الساذجة وحسن قصده المسرف وتفاؤله الدائم. وکلّ ذلک في سخرية لاذعة لايزال فولتير رمزاً لها.

وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر بينما الرومانسية تملأ الدنيا ضجيجاً، نری إلی جوارها ذلک التّيّار الواقعي القويّ الذي يمثّله في فرنسا "بلزاک". وإذا کانت الرومانسية بحکم طبيعتها قد آثرت الشعر صورة لأدبها، فإنّ الواقعية آثرت النثر بالضرورة فهی لم تنشد شعراً ولم تنظم قصائد، وإنّما کتبت قصصاً أو مسرحيات نثرية.

تسعی الواقعية إلی تصوير الواقع وکشف أسراره وإظهار خفاياه وتفسيره، ولکنّها تری أنّ الواقع العميق شرّ في جوهره، وأنّ ما يبدو خيراً ليس في حقيقته إلّا بريقاً کاذباً أو قشرة ظاهرية. فالشجاعة والاستهانة بالموت لو نقبنا عن حقيقتهما لوجدناهما يأساً من الحياة أو ضرورة لا مفرّ منها. والکرم في حقيقته أثرة تأخذ مظهر المباهاة، والمجد والخلود تکالب علی الحياة وإيهام للنفس بدوامها أو استمرارها. وهکذا الأمر في کافة القيم المثالية التي نسمّيها قيماً خيرة، فهی ليست واقع الحياة الحقيقية، وإنّما هذا الواقع هو الأثرة وما ينبعث عنها من شرور وقسوة ووحشية. وما القيم الأخلاقية والموضوعات الاجتماعية إلّا أغلفة نحيلة لا تکاد تخفی الوحش الکامن في الإنسان، وهو ذلک الذي عبّر عنه الفيلسوف الإنجليزي الواقعي هوبز بقوله: " إنّ الإنسان للإنسان ذئب ضار".

وهکذا يتّضح کيف أنّ الواقعية ليست الأخذ عن واقع الحياة وتصويره بخيره وشرّه کالآلة الفوتوغرافية، کما أنّها ليست معالجة لمشاکل المجتمع المجتمع ومحاولة حلّها أو التوجه نحو هذا الحلّ، کما أنّها ليست ضدّ أدب الخيال أو الأبراج العاجية، وإنّما هی فلسفة خاصة في فهم الحياة والأحياء وتفسيرهما، أو هی وجهة نظر خاصة تری الحياة من خلال منظار أسود، وتری أنّ الشرّ هو الأصل فيها وأنّ التشاؤم والحذر هما الأجدر ببني البشر لا المثالية والتفاؤل.

والواقعية لا تبشّر بشئ ولا تدعو إلی سلوک خاص في الحياة، فکلّ هذا بعيد عن طبيعتهاف وإنّما کلّ همّها هو فهم واقع الحياة وتفسيره علی النحو الذي تراه.

لقد أنتجت الواقعية إنتاجاً أدبياً ضخماً لا يتمثّل في قصص بلزاک فحسب، بل وفي الکثير من أقاصيص جي دي موباسان ثمّ قصص فلوبير.

وأما في مجال الأدب التمثيلي فإنّه وإن يکن إنتاج هذا المذهب فيه أقلّ منه في مجال القصّة والأقصوصة إلّا أنّه مع ذلک قد خلف بعض الروائع التي لا تزال تمثّل في المسارح العالمية الکبری مثل مسرحية "الغِربان" لهنري بک.

 

       4ـ الطبيعية

واصل التيار الواقعي عند الغربيين تطوّره حتی انتهی عند أميل زولا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلی مذهب الطبيعية، الذي وإن کان يعتبر استمراراً طبيعيّاً للواقعية، إلّا أنّه في الواقع قد تقدّم في نفس الاتّجاه تقدّماً واسعاً يکاد يجعل منه مذهباً فلسفيّاً وأدبيّاً قائماً بذاته.

فإذا کانت الواقعية قد اعتمدت علی الملاحظة المباشرة لکی تصوّر الواقع علی النحو الذي آمنت بحقيقته، فإنّ الطبيعية لاتکتفي بالملاحظة، بل تستعين بالتجارب والأبحاث العضوية والفسيولوجية لمعرفة حقائق الإنسان العميقة وحقائق الحياة. وقد صاغ أميل زولا هذا المنهج في عدة مقالات جمعها فيما بعد في کتاب سمّاه "القصّة التجريبية" وهو في صياغة هذا المنهج لم يتأثر بالواقعيين فحسب، بل ولا بأنصار الفلسفة الوضعية وعلی رأسهم أوجست کونت، أو النزعة العلمية الجبرية في نقد الأدب علی نحو ما فعل "تين" الذي کان يری في الأدب والأديب نتاجاً للأجناس والزمن والبيئة ـ لم يتأثر زولا بکلّ هؤلاء فحسب، بل وتأثر أيضاً بالمناهج التجريبية في الطبّ وعلوم الحياة وبخاصة بکتاب کلود برنار الخالد الذکر المسمی "مقدمة في دراسة علم الطبّ التجريبي".

والطبيعية هی الأخری تسعی إلی تصوير واقع الحياة أو طبيعة الحياة وفهمها وتفسيرها. ولکنّها ترد هذه الطبيعة وهذا الواقع العميق إلی حقائق حياتنا العضوية وتأثير هذه الحقائق، بل سيطرتها علی کافّة مشاعرنا وأفکارنا وأخلاقنا وسلوکنا في الحياة. ولعلّ في عنوان إحدی قصص زولا الشهيرة وهی "الحيوان البشري" ما يرمز إلی نوع النظرة التي ينظر بها إلی الإنسان وحقيقته.فهو في جوهره حيوان تسيره غرائزه وحاجاته العضوية. وهذا اتجاه قد أصبح له في الفلسفة وعلم النفس الحديثين أنصار عديدون، وهم اولئک الذين يقولون بأنّ حياة الإنسان الشعورية والعقلية ليست إلّا ظاهرة ثانوية أو ظاهرة طفيلية تسلّقت علی أصل الإنسان العضوي. ومن ثمّ فهی تابعة ومتأثرة بهذا الأصل العضوي. وهم لايعدمون أن يجدوا وجهة نظرهم، إذ يلاحظون مدی تأثر مشاعرنا وأفکارنا وسلوکنا بحالتنا العضوية من الصحّة والمرض والضعف أو القوة.

والطبيعية تردُّ إذن واقع الإنسان وبالتالي واقع الحياة، أی طبيعتهما العميقة إلی الکائن العضوي وغرائزه وحاجاته وتوفّر جهدها علی أن تکشف الستار عن هذه الحقائق الدفينة وأن تصوّرها في الأدب وبخاصة أدب القصة الذي يتّسع لمثل هذا التصوير.

 

5ـ البرناسية والفنية  

علی أنّه إذا کان التيّار الأدبي الذي عارض الرومانسية قد اتّخذ في مجال القصّة والأقصوصة من المنهج الواقعي ثمّ الطبيعي مذهباً له، فإنّ نفس التيار المعارض قد اتّخذ في مجال الشعر الغنائي منهجاً اخر سمّی أحياناً بالمذهب البرناسي وأحياناً بالمذهب الفنّي.

أمّا المذهب البرناسي فقد أطلق عليه هذا الإسم مصادفة أطلقه أحد الناشرين الفرنسيين علی مجموعة من القصائد التي نشرها في مجلد واحد لطائفة من الشعراء الناشئين سمّی المجموعة "البرناس الجديد" إشارة إلی جبل البرناس الشهير ببلاد اليونان. وهو الجبل الذي تقول أساطيرهم أنّ آلهة الشعر کانت تقطنه. وعلی الرغم من هذه المصادفة فإنّ الإسم قد ذاع وخلد في تاريخ الأدب، وذلک لأنّ شعراء المجموعة کانت لهم في الواقع فلسفة أدبية وشعرية خاصة موحدة في أصولها العامة ، وإن تکن أمزجتهم الفردية قد انتهت بوصل أسمائهم المختلفة بعدة مذاهب أدبية استوت علی سوقها فيما بعد، بل وتعارضت أحياناً، فمنهم شارل بودلير الذي سيعتبر فيما بعد من روّاد الرمزية، ومنهم تيول جوتيه الذي يقرن اسمه بمذهب الفنية أی الفنّ للفنّ، کما أنّ منهم لو کونت دي ليل الذي يعتبر زعيم المذهب البرناسي.

والواقع أنّ البرناسية والفنية يکادان يعتبران مذهباً واحداً فهما يقومان علی معارضة الرومانسية من حيث إنّها مذهب الذاتية في الشعر أی عرض أفراح الفرد الخاصة وأحزانه علی النّاس واتّخاذ الشعرية وسيلة للتعبير عن الذات. بينما تقوم البرناسية والفنية علی اعتبار الشعر غاية في ذاته ولا وسيلة للتعبير عن الذات. أی أنّها تريد أن تجعل الشعر فنّاً موضوعيّاً وغاية في ذاته همّه نحت الجمال أو خلقه، واستخراجه من مظاهر الجمال في الطبيعة أو خلعه علی تلک المظاهر.

والواقع أنّ لو کونت دي ليل قد استهلّ هذه الصيحة الفنية التي انطلقت ضدّ الرومانسية بصرخة عاتية نظمها في أحد قصائد ديوانه المسمّی "قصائد بربرية" بقوله: " أيّتها الدهماء آکلة اللحوم، فليجرجر من يريد قلبه الدامي فوق ساحتک الساخرة، أمّا أنا فلا أريد أن أبيعک نشوتي أو ألمي. إنّي لن أسلم حياتي لنباحک" وبذلک أثار لو کونت دي ليل علی تلک العاطفية الذاتية التي کانت تصدر عنها الرومانسية وأبی أن يعرض حياته الخاصة بما فيها من أفراح وأحزان علی جماهير الدهماء، کما أبی أن يسف الشعر إلی حد الوسيلة التي تستخدم لغرض ما، ولو کان هذا الغرض هو العبارة عن الذات، وذلک لکی يردّ الشعر إلی طبيعته کفنّ جميل هدفه الصور والأخيلة الجميلة في ذاتها.

 

  وفي الحقّ أنّ هذا المذهب الفني لم يستقرّ عليه لو کونت دي ليل إلّا بعد أن استوت له فلسفة خاصة في الحياة، وهی فلسفة کان يحلو له دائماً أن يرجعها إلی الديانة البوذية التي ربما کان سبب انسياقه نحوها هو ميلاده ونشأته في جزيرة بربون إحدی مستعمرات فرنسا في جزر الهند الشرقية.

وهذه الفلسفة تسخر من ألم الإنسان وبکائه، وتری أنّ "النرفانا" هی سبيل خلاص الإنسان. والنرفانا في البوذية هی حالة نفسية تحقق للفرد الجنة التي وعدها للفرد في عالمنا هذا إذا استطاع أن يميت الرغبة في نفسه، وإن تکن إماتة الرغبة هی في الواقع بمثابة إماتة للحياة ذاتها. ولذلک يتمرّد الشاعر علی بکاء الإنسان الذي لا ينقطع بسبب رغباته الخادعة المحرقة فيقول: " کم من القرون قد ماتت منذ أخذ الإنسان يبکي؟ وأخذت الرغبة المتکالبة تخدعنا وتحرقنا بجذوتها الأشدّ ضراوة من النّار التي لاتخمد".

ولمّا کانت هذه الفلسفة ذاتها في حاجة إلی التعبيؤ عنها وهی شغل الشاعر الشاغل فقد احتال للأمر بأن عاد إلی أساطير الشعوب البدائية کاليونان والهند، فأنطق آلهتهم وأبطالهم محتفظاً لهم بطابعهم البدائي القديم. وبذلک استطاع أن يعبّر عن أفکاره ومشاعره الخاصة خلال هذه الشخصيات مع احتفاظه للشعر بالموضوعية وعدم الذاتية التي أرادها، بل اتخذ من تلک الشخصيات الأسطورية وسيلة للثورة علی المسيحية التي کان يبغضها أشدّ البغض رغم أنّها کانت ديانته الرسمية.

وعلی الرغم من نشأة الفنّ للفنّ هذه النشأة التاريخية المحدودة کثورة ضدّ استخدام الفنّ کوسيلة للتعبير عن الذات ودعوة للرجوع بالفنّ إلی حقيقته الجمالية، ومقاومة الهلهلة والابتذال في الشعر ثمّ اقتصار هذا المذهب بحکم طبيعته علی فنّ الوصف، نقول: إنّ عبارة الفنّ للفنّ قد اتخذت في عالم الأدب ومعارکه عدة معان دخيلة علی مدلوله التاريخي وانتشرت هذه العبارة في العالم العربي الحديث ودارت حولها معارک حامية.

لقد ظنّ البعض أنّ الفنّ للفنّ معناه التحلل من قواعد الأخلاق في الإنتاج الأدبي بل أسرف البعض في الظنّ حتی قال إنّ الفنّ للفنّ ينتهي إلی الأدب الإباحي الذي يزعم أنّه لايهتمّ بغير الفنّ سواء اتفق هذا الفنّ مع الأخلاق والمواضعات الاجتماعية أو تنافی معها.

وقال الاشتراکيون أنّ الفنّ للفنّ معناه فصل الأدب عن المجتمع وحبسه في الأبراج العاجية التي يتکسّع فيها المترفون ويطلبون فيها من الأدب نوعاً من البذخ والمتعة الرفيعة والأثرة، بدلاً من أن ينزل الأدب إلی أسواق الحياة ليرصدما فيها من محن وآلام ويعمل علی علاجها أو تخفيفها باعتبار أنّ للأدب وظيفة اجتماعية يجب أن يؤديها وليس ترفاً يقدّم للأرستقراطية المنعمة.

هذا ومن البيّن أنّ الأخلاقيين والاشتراکيين علی السّواء قد تعسّفوا وحملوا مذهب الفنّ للفنّ أوزاراً لم تولد معه. فمذهب الفنّ للفنّ لا يدعو إلی الخروج علی قواعد الأخلاق، بل ولا يتعرّض للمشکلة الأخلاقية علی الإطلاق. وعند دعاته أنّ أنواع النشاط الروحي المختلفة للإنسان لا تخضع جميعها لمقاييس الأخلاق، فالحقائق الرياضية مثلاً لاتوصف بالخير أو الشرّ وإنّما توصف بالصّحة أو الخطأ، وعلی هذا النحو قالوا بأنّ الفنّ لايحکم عليه من حيث الخير أو الشرّ ولا من حيث الصحة أو الخطأ وإنّما يحکم عليه من حيث الجمال والقبح، وهم من رهافة الحسّ بحيث يدرکون ما في الشرّ من قبح، وإن لم يمنع ذلک من استقامة نظريتهم العامّة القائلة بأنّه إذا کانت هناک أقوال وأفعال أخلاقية Moral فإنّ هناک أقوالاً وأفعالاً لا أخلاقية أی ضدّ الأخلاق Immoral کما أنّ هناک أقوالاً وأفعالاً لا علاقة لها بالأخلاق ولا تخضع لمقاييسها Moral ومن بينها الحقائق الرياضية والحقائق الجمالية أی الفنية.

وأمّا الإشتراکيون فإنّ تعسفهم يأتي من ناحيتين:

الناحية الأولی: إسرافهم المذهبي الذي يريد أن يفرض دکتاتورية علی الأدب بحيث لايعني إلّا بمشاکل الحياة الشعبية وما فيها من بؤس ومحن.

الناحية الثانية: تأتي من تجاهلهم لحاجة المجتمع بکافة طبقاته إلی القيم الجمالية، وإنکارهم لتأثير هذه القيم من تهذيب الشعوب ورفع مستواها الروحي. وليس من شکّ في أنّه إذا کانت الإنسانية في حاجة إلی من ينتقم لها من البؤس والشقاء، فهی أيضاً في حاجة لاتقلّ مساساً لمن ينتقم لها من القبح وفساد الذوق وانحطاطه، وطبقات الشعب العاملة لاتقلّ حاجة إلی الغذاء الروحي والجمالي عنها إلی الغذاء المادي والعقلي.

هذا علی الرغم من أنّ البرناسية کانت تحرص علی الموضوعية وتتخذ من التجسيم Plastique أو النحت هدفاً أساسياً للشعر بحيث يأتي الوصف مثلاً تجسيما للموصوف، محيطاً بکافّة أوصافه وخصائصه الخارجية المميّزة، وکأنه ينحته تمثالاً. وعلی الرغم من أنّ الفنية قد حرصت هی الأخری علی تنحية الشاعر ومشاعره الخاصة وآلامه وأفراحه الذاتية عن مجال الشعر إلّا أنّ هذه المحاولة لم يکن من الممکن ولا من الخير أن تتحقق علی نحو مطلق، وإلّا أصبح الوصف الشعري فنّاً آليّاً کالفنّ الفوتوغرافي؛ وذلک لأنّ الشاعر کثيراً ما يعکس بصره ـ أراد أم لم يرد ـ إلی داخل نفسه ليری في مراتعها العالم الخارجي المنعکس فيها، وهو إذ يصف ذلک العالم لايصفه کما يراه في الخارج، وإنّما يصفه کما يراه منعکساً في مرآة نفسه، وهذه المرآة النفسية لابدّ أن تلون إلی حدّ ما ذلک العالم الخارجي بلونها الخاص، بوعی من الشعر أو بغير وعی، وکلّ ذلک علی اختلاف في النسب يرجع إلی طبائع الشعراء ومقدار الحساسية الموجودة في مرآة کلّ نفس.

   

6ـ الرمزية

    إنّ الرمزية وإن لم تظهر في الأدب إلّا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلّا أنّ أصولها الفلسفية موغلة في القدم. والذي لاشکّ فيه أنّها تستند ـ ضمن ما تستند إليه ـ إلی مثالية أفلاطون، تلک المثالية التي تنکر حقائق الأشياء المحسوسة، ولاتری فيها غير صور ورموز للحقائق المثالية البعيدة عن عالمنا المحسوس.

وإذا کانت الحرکة العلمية الوضعية قد ظنّت في العصور الحديثة أنّ في مقدرتها أن تصل بوسائلها العلمية، وبالعقل الواعي إلی حقائق الأشياء فإنّ هذه الحرکة لم تلبث أن تبيّنت أنّ هذه الحقائق لايمکن أن تدرک في ذاتها وإنّما تدرک بظواهرها الخارجية فحسب، مما دعا بعض الفلاسفة إلی أن ينکر وجود الأشياء الخارجية، ولايری فيها غير الصور الذهنية التي تنعکس في مدارکنا عن تلک الأشياء فأیّ  شئ خارجي لا يستمدّ وجوده إلا من الصور الذهنية التي لدينا عنه وفيما عدا هذه الصورة لا يعتبر له وجود خارجي.

ولم يکتف التفکير الإنساني بمناقشة العالم الخارجي ووجوده أو عدم وجوده خارج الذهن الإنساني، بل تناول ذلک التفکير عالمنا النفسي أيضاً، فاکتشف أنّ عقلنا الواعي عقل محدود حتی ولو سلمنا بأنّه الحقيقة الواحدة الموجودة في هذا العالم، واعتبرنا أنّ الصور المختزنة في هذا العقل الواعي هی الوجود ولا وجود سواه. وهو محدود بسبب ما اتضح من أنّ خلف هذا العقل الواعي يوجد حقل فسيح من العقل اللاواعي أی العقل الباطن وعلی کشف مجاهل هذا اللاوعی أخذت تتوفر مجهودات المفکرين.

وبناء علی هذه الحقائق الفلسفية العامة التي تقابل بين الإدراک البشري والعالم الخارجي أثيرت مسألة اللغة ووظيفتها باعتبارها صلة بين هذا الإدراک وذلک العالم الخارجي. وإذ صحّ أنّ العالم الخارجي لا وجود له خارج الذهن البشري، ولايتمثّل الوجود إلّا في الصور التي ندرکها عن هذا العالم فقد أخذ الأدباء والشعراء ينکرون علی الغة قدرتها علی أن تنقل إلينا حقائق الأشياء وقالوا إنّها لاتعدو أن تکون رموزاً تثير الصور الذهنية التي تلقّيناها من الخارج، أو کوّناها من الجمع بين أشتات من الصور التي تلقيناها من ذلک الخارج، وعلی هذا الأساس لا تصبح اللغة وسيلة لنقل المعاني المحددة أو الصور المرسومة الأبعاد وإنّما تصبح وسيلة للإيحاء. ولمّا کانت وظيفة الأدب الأولی هی توليد المشارکة الوجدانية بين الکاتب والقارئ أو المشاهد فقد قالوا بأنّ الأدب لا يسعی إلی نقل المعاني والصور المحددة وإنّما يسعی إلی نشر العدوی ونقل حالات نفسية من الکاتب إلی القارئ أو علی الأصحّ الإيحاء بها، وبالتالي لايسعی الأدب أو الشعر الرمزي إلّا أن ينقل وقع الأشياء الخارجية أو الداخلية من نفس إلی نفس.

و نخلص من هذا الاستعراض السريع بأنّ للرمزية ثلاثة اتجاهات:

1ـ اتّجاه غيبي خاص بطريقة إدراک العالم الخارجي وبالوجود الذهني الذي ينحصر فيه أو الوجود الفعلي.

2ـ اتّجاه باطني وهو السعی إلی اکتشاف العقل الباطن وعالم اللاوعی.

3ـ اتّجاه لغوي خاص بالبحث في وظيفة اللغة وإمکانياتها ومدی تقيّدها بعمل الحواس وتبادل تلک الحواس علی نحو يفسح أمام الکاتب أو الشاعر مجال اللغة وتسخيرها لتأدية وظائف الأدب.

 

صور الرمزية:

ولقد غزت الرمزية کافة صور الأدب فظهرت في الشعر الغنائي کما ظهرت في الأدب التمثيلي. وهی في الشعر الغنائي ـ أی في القصائد ـ قد تسعی إلی خلق حالة نفسية خاصة والإيحاء بتلک احالة في غموض وإبهام بحيث لا نستطيع أن نحلل عقليّاً تفاصيل المعاني التي تعبّؤ عنها مثل هذه القصيدة وإن کنّا نحسّ بالحالة النفسية التي صدر عنها. والرمزية عندهم لا تستخدم الشعر للتعبير عن معان واضحة أو مشاعر محددة بل تکتفي بالإيحاء النفسي والتصوير العام عن طريق الرمز، وهی مسلکها هذا تتمرّد علی الکلاسيکية التي تؤمن بالعقل وضوئه ووضوحه.

والسبب الذي يدعو الشعراء إلی الالتجاء إلی الرمزية ليس الرغبة في الغموض والإبهام أو العجز عن الإفصاح وبخاصة عند الموهوبين من الشعراء لا المقلدين الذين يتمذهبون تنطعاً وستراً لعجزهم أو إيهاماً بملکات هم محرومون منها وإنّما مردّه عند هؤلاء الموهوبين إلی إيمانهم بعجز العقل الواعي عن إدراک الحقائق النفسية التي لا يستطيع أن يردّها إلی عواملها الأولية، وذلک لأنّه حتّی لو وفق في التحليل. فإنّه لن يستطيع بفضل هذا التحليل أن يعطينا فکرة واضحة عن الحالة النفسية المرکبة. وذلک لأنّ کلّ ترکيب تتوالد فيه خصائص لا تتوافر في عناصره المکونة له، وإنما تأتيه من عملية الترکيب ذاتها، فلو أنّک أضفت أکسوجيناً إلی أيدروجين مثلاً لتولد منهما مرکب هو الماء الذي يحمل خصائص لا تتوفر في أی عنصر من العنصرين المکونين له، کما أنک لو حللت نبيذاً إلی عناصره الأولية في معمل يشبه عمله عمل العقل المحلل للحالات النفسية، لما استطاع ذلک التحليل أن يعطيک فکرة واضحة أو إحساساً صادقاً عن طعم ذلک النبيذ کمرکب له نکهته الخاصة. والرمزية تستند إلی هذه الحقائق العلمية التي يجملها المفکرون في قولهم " إنّ کلّ مرکب تعدو خصائصه خصائص عناصره المکونة له". وکدنهم بذلک يعلنون إفلاس العقل البشري وينفضون يدَهم من قدرته علی الفهم عن طريق التحليل ولذلک يکتفون بأن يرمزوا للحالة النفسية التي يريدون التعبير عنها بعدّة رموز کأنها الأزرار الکهربائية التي توقد الضوء، لنستطيع أن نتبيّن معالم تلک الحالية النفسية الغامضة المرکبة الغارقة في ضباب النفس البشرية والتي کثيراً ما تجاوز في أبعادها منطقة العقل الواعي لتضرب بجذورها في عالم اللاوعی أو اللاشعور. لذلک يرجع النقاد أن الرمزية قد کانت الحدّ الأعلی للسيريالية التي تقوم علی اللاوعی وإطلاق ما به من مکبوتات وقوی خفية تعمل في حياة الإنسان عملها الحاسم الذي کثيراً ما ينقلب إلی تدمير أو انحلال.

 

الرمزية الموضوعية

  


 [D1]التعريف الأول للأدب

 [D2]التعريف الثاني للأدب

 

 

مقاله حاضر مشتركا توسط بنده ودو تن از اساتيد دانشگاه اصفهان(دكتر عبدالغني ايرواني زاده ودكتر نصرالله شاملي) در شماره ۱۵ سال هشتم مجله اللغة العربية وآدابها دانشگاه تهران چاپ شده است. 

الملخص:

يعدّ دعبل الخزاعی أکبر شعراء الشيعة فی العصر العباسی الأول فی تصدّيه للانحراف والأوضاع السياسية القاتمة، وفی تنوير الرأی العام وتوعيته المجتمع العباسی.من خلال نظرتنا إلی أشعاره تبيّن أنّه استخدم فی أدبه روحاً تهکّميةً ساخرة فی هجاء الخلفاء العباسيين ونقد النظم السياسية القائمة، واستطاع أن يصوّر الحکم المتقلب والحالة القلقة والانحطاط السائد وتبلبل الأمور وفوضی الأعمال فی هذه الفترة.کما تبيّن أنّ الشاعر لم يقصد من هجائه الساخر، الإضحاک والهزل،بل کانت سخريته ذات أهداف سياسية واجتماعية بنّاءة.هذه المقالة درست الجانب الساخر من هجاء دعبل السياسی.

 

الکلمات الرئيسية:دعبل الخزاعی، الهجاء، السخرية،الشعر السياسی،أدب الشيعة.

--------------------------------

 

المقدمة:

لمّا قامت الدولة العباسية علی أسس من الخديعة، "غضب عليهم العلويون وکوّنوا جبهة معارضة لهم، إذ قد استغلّوا اسمهم ضدّ الأمويين ثمّ اغتصبوا الخلافة دونهم، وکانت بين الفريقين أحداث لقی منها العلويون بلاءً تمنّوا منه عودة أيام الأمويين"(الشايب، أحمد،1976م،ص231) لقد اتخذت هذه المعارضة شکلين متميزين:أما الشکل الأول فهو شکل الحرکة الثورية المسلّحة حيث قام العلويون بثورات ضدّهم.أما الشکل الثانی فهو معارضة فکرية، اعتمدت علی الفکر واللسان، وقام بقسطٍ کبير منها شعراء الشيعة.هؤلاء الشعراء رأوا أنّ الانحراف قد بلغ ذروته ورأوا أنّ علی عاتقهم ايقاظ الشعب وتوعيته وإظهاره وتفتّح عيونهم علی ما يحدث فی المجتمع، فقاموا بردود فعلٍ تنکر مظاهر الانحراف، وتهجو السلطة و الانحرافات،غير أن کثيرين منهم کانوا يخفون نشاطهم السياسی خوفاً من إيذاء السلطة الحاکمة وحفظاً لأنفسهم علی أساس أصل التقية.

إنّ الدارس لشعر الشيعة يجد من بين شعرائهم شاعراً ممتازاً أحسّ بمسؤولية خطيرة فی معارضة القوّة الحاکمة التی استولت علی الخلافة بالخديعة وقبضت عليها بيدٍ من حديد،هذا الشاعر هو دعبل الخزاعی الذی سلک "مسلک المعارضة السياسية والفکرية وخاطب الناس فی عصره ليثيرهم ويحرّک مشاعرهم"(محمد عويضة،1993م،ص15)هذا الشاعر يعدّ الوحيد بين شعراء الشيعة الغاضبين علی السلطة،لأنّه جاهر بآرائه السياسية دون تقيةٍ وحاول أن يجعل من شعره مرآة يعکس حياة عصره ويبيّن الإضطرابات السياسية، فلذلک تعرّضت حياته للمخاطر وکان يعرف هذا واضحاًحيث يقول:"أنا أحمل خشبتی علی کتفی منذ خمسين سنة لست أجد أحداً يصلبنی عليها"(الإصفهانی،أبوالفرج،ج18/30).

اتّخذ شعراء الشيعة فی سبيل معارضتهم السياسية أشکالاً مختلفةً يتلائم العصر الذی کانوا يعيشون فيه.إذا رجعنا إلی العصر الأموی يلقانا الکميت بن زيد الأسدی شاعر الشيعة الکبير الذی ناقش شعراء الأمويين، ويتّفق النقّاد والباحثون علی أنّ شعره يطبع بطابع الاحتجاج والاستدلال واستخدام المنطق فی مواجهة خصومه(مغنية،حبيب،2009م،ص196)وهذا طبيعی لأنّ عقليّة العصر کانت تتطلّب مثل هذا الأسلوب.ولمّا نصل إلی العصر العباسی تتغير مظاهر الحياة، وتتغير بطبيعة الحال عقليّة الشعراء والأدباء، فيعکس أصداء ذلک فی إبداعاتهم وأساليبهم التعبيرية، فنری الهجا يحدث فيه تطوّر جذریّ إذ مال الشعراء إلی الهجاء الساخر الذی يستهدف إضحاک الناس علی المهجوّ وسخريتهم منه.(انظر:هدّارة،محمد مصطفی،1963م،ص433).

کانت السخرية سلاح کثير من الشعراء فی مقاومة الظلم والجور، لذلک فإنها تعدّ مظهراً من مظاهر المقاومة الشعبية والتمرد علی الظلم.فدعبل الخزاعی بوصفه شاعراً متمرّداًلم يتخلّف فی أسلوبه الشعری عن استخدام هذا السلاح،بل وصل فی السخرية السياسية شأناً مميّزاً وترک بأسلوبها الساخر الناقد أثراً بارزاً فی الأدب العربی. وقراءة أدب دعبل فی هذا الاطار تعنی أن نسبح سباحةً عامّةً شاملةً فی إنتاجه الأدبی لندرک مدی تأثره بأحداث عصره ومدی فاعليته أمامها.

 

1.مواقفه السياسية

لا نبالغ إذا قلنا إنّ دعبل الخزاعی أکبر شعراء الشيعة فی العصر العباسی الأول فی تصدّيه للانحراف والأوضاع السياسة القاتمة، وفی تنويره الرأی العام وتوعيته فی المجتمع العباسی.مع الأسف حاولت المصادر الأدبية تشويه صورة هذا الشاعر الکبير، وجعل أصحاب تلک المصادر ما نقله صاحب کتاب الأغانی ذريعةً للهجوم عليه.حاول أبوالفرج أن يجمع أخباراً موهمة ومضطربة حتی يرسم له صورة رجل خطير ومجرم شرير،لذلک وصفه بأنّه:"هجّاء خبيث اللسان، لم يسلم منه أحد من الخلفاء ولا وزرائهم"(الإصفهانی،أبوالفرج،ج18/29).ويبدو أنّ سائر المصادر استقت ما رسمه صاحب الأغانی لدعبل، فصوّرته بصورةً مشوّهة.نری أباالعلاء المعرّی يجرّد شاعرنا من الدين حيث يقول:"وما يلحقنی الشک فی أن دعبل بن علی لم يکن له دين و کان يتظاهر بالتشيع وإنّما غرضه التکسّب"(المعرّی، أبوالعلاء،1991م،ص218).ونری بعض الباحثين المعاصرين وسّعوا دائرة اتهاماتهم نحو دعبل ذاکراً أنه "کان مولعاً بالشراب متهتکاً خبيث الهجاء"(مصطفی هدارة،محمد،1963م،ص346).والواقع أنّنا لا نريد فی هذا المقال أن نذکر شيئاً علی حساب العصبية والطائفية ولا نريد أن ننفی التّهم الموجّهة إليه من ولعه بالشراب وممارسته الصّعلکة،بل نقول إنّ الشعر المتبقّی منه لايعکس فعلاً ذلک التّهم، فعلی هذا الأساس نری أنّ شاعرنا لم يکن يتشيع ولم تکن غايته من الشعر التکسب کما ظنّ أبو العلاء المعری، فلو کان يريد التکسّب والجاه ،کانت أبواب قصور الخلفاء مفتوحة أمامه.بل کان شيعياً مخلصاً کما يبدو من دراسة ديوانه إذ کثر شعره فی أهل البيت، ودفاعه عن أحقّيّتهم فی الخلافة، کما کثر شعره فی هجاء الخلفاء والوزراء والعمّال العباسيين، والإدلاء بآرائه فی مختلف المواقف السياسية والاجتماعية.  

کان دعبل يعتقد أن مکانة الشاعر تتعارض مع مديح الخلفاء والوزراء وتقبيل أيديهم، ومداراة المنحرفين،فلذلک رأی أن يقوم بمهمته الإنسانية فی بيان الواقع وإعلانه.و"قد انفرد دعبل بهذه الجرأة فی مواجهة هؤلاء بواقعهم کما انفرد بصرامته وصراحته دون تهيّب ورهبة، واحتفظ بهذه الجرأة حتی النهاية فلم يصبها الدثور والفتور فی مختلف المناسبات والمواقف التی تنخلع فيها القلوب، ولم يعرف الرياء والملق ولا الخوف والفرق إلی نفسه سبيلاً وعاش يتحدی أشدّ الرجال إذا ما استدعته أهدافه إلی ذلک"(الخزاعی،دعبل بن علی،1972،ص67).

 

1-1.التزامه السياسی

الالتزام فی الأدب وکافّة الفنون مفهوم قديم، ربّما ولد متزامناً مع ولادة ابداعات الإنسان.إنّ المراد بالأدب الملتزم هو الأدب الذی يشارک فی القضايا المرتبطة بالشعب ويدافع عن مصالحه، ويناضل من أجل رفعته وتحرره.وهو الأدب المهتم بأوضاع الشعب الكادح، مصوراً المجتمع تصويراً واقعياً، من أجل انتقاده، ومن أجل تغييره نحو الأفضل، وتبقى المصلحة الشعبية لديه فوق كل اعتبار.

يعتقد أکثر الباحثين أن الالتزام فی الأدب والفنون وليد المدرسة الواقعية فی اوربا فی القرن التاسع الميلادی،هؤلاء يرون أنّ الإتجاه الواقعی الاشتراکی الذی اتّسم به التفکير والمذاهب الأدبية فی النصف الثانی من القرن التاسع عشر، هو الذی وجّه الأدب نحو الحياة وعمّق صلته بها وجعله يهتمّ أبلغ الاهتمام بمشکلات المجتمع وقضايا الإنسان الکبری(انظر:طبانة،بدوی،1984م،ص15) غير أننا نری أن الالتزام کان قرين الانسان فی إنتاجاته الفکرية منذ القديم،وأنّ الشعراء والأدباء الأقدمين کانوا يعرفون هذه الأمور، إلّا أنّهم لم يکونوا يعون هذه الأمور وعياً نظرياً.إذن نری أنّ الالتزام موجود فی کلّ عصر وفی کلّ بيئة، لکنّ التنظير له يعود إلی القرن التاسع عشر الميلادی.

إذا کان مفهوم الالتزام مشارکة الشاعر والأديب "مشارکات واعية فی القضايا الإنسانية الکبری السياسية والإجتماعية والفکرية"( أبوحاقة، أحمد،1970م،ص13) فدعبل الخزاعی يعدّ فی طليعة شعراء العرب والشيعة الملتزمين فی العصر العباسی،لأنّه وقف شعره علی المشارکة فی القضايا المتعلقة بالمجتمع.هذه المشارکة کانت تتطلّب منه صراحةً ووضوحاً وإخلاصاً وصدقاً، وکان يتحمل المخاطر التی تترتب علی هذا الإلتزام.أو لم يکن يحمل خشبته علی عاتقه منذ خمسين سنة؟

لا نبالغ إذا قلنا إنّ أهمّ ميزة يمتاز به شعر دعبل هو التزامه السياسی حتّی غلب الطابع السياسی علی ديوانه. کان التزامه السياسی نابعاً من عقيدة شيعية تخالف الظلم والعدوان والطغيان، ومن ايمانٍ صادق بانتصار الحقّ، "هذا الإيمان الذی رفع الشاعر فی تاريخ الشعر العربی إلی مرتبة شعراء الالتزام السياسی ورفع شعره إلی مرتبة الدعوات ذات المحتوی الإنسانی الباهر الأثر فی تاريخ الکفاح من أجل العدالة واستقامة معنی الحکم، وتقوية قدرة المحکوم علی تقويم الحاکم وإلزامه بما ألزم به نفسه،منذ تصدی لحمل تبعات الحکم"(الموقف الأدبی،العدد336، 2001م).يتأثر الشاعر فی أیِّ عصر من العصور بالبيئة التی يعيش فيها سلباً وايجاباً، وهذا التأثر يختلف بين شاعر وآخر.کان دعبل شاعراً اهتمّ بقضايا مجتمعه وتنبّه إلی المسؤولية التی يتحمّلها فی معالجة تلک القضايا وفق رؤية خاصة  حيث کان يؤثر فی مجتمعه ويعمل علی إصلاحه،إذ کان يصدر فی آرائه السياسية عن ايديولوجية معينة، وکان يتّخذ موقفه السياسی من خلال شعوره بالمسؤولية أمام المجتمع وشعبه المظلوم.فنراه لم يترک حدثاً عاصره إلّا وساهم فيه بالتعبير عنه فی شعره معارضاً أو مؤيداً.

 

2.الهجاء الساخر السياسی قبل دعبل

لعب الهجاء المطبوع بطابع السخرية فی ميدان السياسة دوراً خطيراً بما تملکه من تأثير وقدرة علی لفت الأنظار وجذب الانتباه نحو الظواهر البارزة فی نظم الحکم أو أخلاق بعض الساسة وانحرافاتهم.يرى ابن رشيق أنّ السخرية لها تأثير شديد، إذ يردّد أن التعريض أهجى من التصريح ويعلل ذلك "باتساع الظن في التعريض، وشدة تعلّق النفس به، والبحث عن معرفته وطلب حقيقته" فإذا كان الهجاء تصريحاً أحاطت به النفس علماً، وقبلته يقيناً في أول وهلة، فكان كل يوم في نقصان لنسيان أو ملل"( ابن رشيق،ج2، ص172- 173).

عرف الأدب العربی شعر الهجاء السياسی الذی طبعت بطابع السخرية والتهکم قبل العصر العباسی، فنجد بعض الشعراء يسخرون سخريات سياسية من الخلفاء والوزراء وسوء مسلکهم کما نجده عند عتبة الأسدی يهجو معاوية:                        

مُعَاوِیَ إنّنا بَشَرٌ فَٱسْجَحْ

 

فَلَسْنا بِالِجبالِ وَلا الحَديدِ

أكَلْتُم أرْضَنا وَجَذَذْتُمُونا

 

فَهَلْ مِنْ قائمٍ أوْ مِنْ حَصِيدِ

فَهَبْنا أمْةً هَلَکَتْ ضِياعَاً

 

يَزيدُ أميرُها وَأبُو يَزيدِ

أتَطْمَعُ بِالخُلودِ إذا هَلَکْنا

 

وَلَيس لَنَا وَلا لَکَ مِنْ خُلُودِ

ذَرُوا حَولَ الخِلافَةِ وَٱسْتَقِيمُوا

 

وَتأمينَ الأراذِلِ وَالعَبِيدِ

                                                                                   (ابن وکيع3:84)

وکانت هذه صيحةً کثيراً ما کان يردّدها العرب فی المطالبة السياسية بالحقوق والتساوی والبعد عن تقريب الأراذل والعبيد ولکنّها منبثقةٌ من خلق العربی علی کل حال، فهو لا يرتضی الذلّ والانقياد والضياع.

 ومن الشعراء من سخر لأهداف سياسيةٍ بحيث سَعوا إلی وضع حدّ لممارساتٍ سياسيةٍ ودينيةٍ غير مقبولة والتحريض عليها بهدف القضاء عليها وتنقية المجتمع من آثارها السلبية. هذا بشّار بن برد يسخر من الخليفة المهدی وضياع الأمر من يده إلی يعقوب بن داود.نراه يقول:

بَنِی أمَيَّةَ هُبُّوا طالَ نَومُکم

 

إنّ الخليفَةَ يَعقوبُ بنُ داوُد

ضَاعَتْ خِلافَتُکم يا قَومُ فٱلتَمِسُوا
           

 

خَليفةَ اللهِ بينَ الزّقِ وَالعُودِ

 

                                                                                        (بشّار94:3)

يسخر بشّار من ضعف الخليفة لاستيلاء الوزير علی مقاليد الدولة وکأنّه يستنهض الأمويين لاستعادة الخلافة، وهذا لا يعنی أنّه يتمنّی عودة الخلافة إلی الأمويين بل يريد أن يبالغ فی الإيلام والإيجاع للعباسيين حتّی يسيطر الخليفة علی کلّ شئ.

لا شکّ أنّ السخرية السياسية لدی هؤلاء الشعراء وقف عند حدود ضيّقة ولم يتجاوز أبيات قليلة تأتی من حين إلی آخر،کما أنّ شعرهم لم يبلغ إلی مرحلةٍ ناضجةٍ فنيّاً وبياناً،لکنّ دعبل فاق الشعراء العرب حتی نهاية العصر العباسی من حيث أسلوبه الساخر وبزّهم لما عرف عنه من جرأة وصراحة.

 

 3.الهجاء الساخر عند دعبل

تختلف أغراض الشعراء من ممارسة السخرية فنری فريقاً منهم يلجأون إليها بهدف التلّهی والضحک ودفع السآمة والملل ورفع کابوس الهمّ والحزن، وإبعاد النفس عن الحياة الرتيبة بإطلاقها من أسر الجدّ واصطباغها بصبغةٍ هزليّةٍ، وکان أبو دلامة فی طليعة اولئک الشعراء فی استخدام السخرية لأغراض غير سياسية، إلّا أنّ فريقاً آخر من الشعراء وعوا مسؤوليتهم الاجتماعية وموقعهم المميز فأشاروا إلی مواضع الفساد والإفساد و التزلّف والجهل وغير ذلک بهدف إصلاح المجتمع والقضاء علی مظاهر الفساد فيه مستخدمين نفس الأسلوب الساخر، ونری دعبلاً يلمع اسمه باعتباره رائداً فی هذا الاطار.  

لا نبالغ ولا نبعد عن الموضوعيّة إذا ادّعينا أنّ دعبل الخزاعی رائد الهجاء السياسی فی العصر العباسی الأول کما يری الدکتور الشکعة(انظر:الشکعة، مصطفی،1986م،ص327) إذ هو شاعر متمرّد من طراز خاصّ، ولشعره خصائص متفردة قد لا تتوافر لغيره،ولعلّ الطابع الساخر أهمّ وأبرز هذه الخصائص فی أسلوبه.اتخذ هذا الشاعر الفذّ السخرية منهجاً فکرياً ولغوياً يؤثر فی مضمونه وفی أسلوبه علی السواء، وهی عنده نوع من الضحک الکلامی أو التصويری الذی يعتمد علی العبارة البسيطة أو علی الصورة الکلامية مع الترکيز علی النقاط المثيرة فيها.

يتمتّع دعبل بقدرةٍ خلّاقةٍ فی منح الحياة کلّ اهتماماته وکلّ امکانياته إذ أُعطی لساناً طلقاً حادّاً فی النقد والمعارضة والمقاومة والکفاح، فهو انسان ثوری التکوين وإن لم يستخدم اسلحة الحرب التقليدية المعروفة بل کانت الموهبة والقدرة الخلابة علی مواجهة النقائص والنقايض سلاحاً له للتعرف علی عناصر الانحراف في المجتمع وعلی صياغة الأساليب المناسبة لکشفها وإبرازها ووضعها فی الضوء العام لتکون هدفاً لأکثر من عين ونقطة التقاء کل اهتمام. 

عاش دعبل ما يقرب من مائة سنة تقريباً وبذلک قدِّر له أن يستوعب جوانب مختلفة من تاريخ الدولة العباسية فی إطار زمنیٍّ موسّع وأن يدرس مجتمعه دراسة وافية.يتّضح من خلال دراسة حياة الشاعر أنّه کان معاصراً لستّة من الخلفاء العباسيين وهم:هارون والأمين و المأمون والمعتصم والواثق والمتوکل.هؤلاء الخلفاء وإن اتّخذوا سياسةً واحدةً إزاء الشيعة إلّا أنّ دعبل استخدم لغةً متفاوتة إزاءهم کما أنّها تظهر فی نقده للوزراء والحکّام والکتّاب الذين أنجزوا ما أملاه عليهم الخلفاء.وهنا نريد أن ندرس أسلوب الشاعر ولغته ونحلّله فيما يتعلّق بالهجاء السياسی بصورة موجزة مستخرجاً ميزاته الخاصة.

3-1.أسلوب دعبل فی هجائه السياسی

أصبح الهجاء الساخر السياسی فی شعر دعبل ظاهرة تلحّ علينا فی الوقوف عليها ومتابعتها فخرجت حية نابضة تعبر عن موقف رافض ومتمرد أحياناً، وقد شملت سخريته قضايا متعددة کما أنّها تبدّت فی أساليب متنوعة، فرأيناه أن ندرسها فی إطار الأساليب التالية تسهيلاً للدراسة:

3-1-1.السخرية

تعدّ السخرية من أبرز ملامح التحول في الموقف الشعری عند الشعراء العباسيين، فالصدام بين هؤلاء الشعراء ومجتمعاتهم وتقاليد الحياة فی عصورهم وصل حد الرفض والإنكار والثورة أحياناً(انظر:عطوان، حسين،1970م،ص9-33) وهذا عائد إلى الظروف التی غيّرت وجه المجتمع ومنحته شكله الجديد لما نشأ من صراع سياسی وآخر شعوبی واضطراب في مناحی الحياة الاجتماعية والاقتصادية ثم تطور الحياة الفكرية والعقلية(العشماوی،محمد،1981م،ص128).

ودعبل بوصفه شاعراً عاش فی الفترة العباسية لم يتخلّف عن مواکبة هذا الفنّ الشعری بل استخدم السخرية فی جوانب مختلفة من شعره خاصة فی شعره السياسی فجاءت السخرية عنده نتيجة لصراع بين عالمه الداخلی وبين قوة خارجية يرفضها ويقاومها.يری بعض الباحثين أنّ الشاعر قد يلجأ للسخرية عندما لا يكون قادراً على إبراز غضبه فتصبح السخرية ملاذاً نفسياً يحقق انفعال الأديب ويستوعب حدّته وثورته کما يری الحوفی" أنّ الشعراء يلجأون إلی استخدام الأسلوب الساخر نتيجة لعوامل متعددة لعل أهمها الخوف من السلطة الحاكمة"(محمد الحوفی،أحمد،ص15).

إنّنا حين ندرس حياة دعبل ونسمع کلمته المشهورة التی يقول:أحمل خشبتی منذ خمسين سنة علی عاتقی ولا أجد أحداً يصلبنی عليها سرعان ما ندرک بوضوح أنّ السبب فی لجوءه إلی السخرية لم يکن خوفه من السلطات الحاکمة بل يعود إلی أنّ الشاعر أراد بهذا أن يقارع الحکومة العباسية الزائفة، ولأن يهيّئ الأجواء حتّی ينتشر هجاؤه السياسی أکثر فأکثر، لأنّ الکلام إذا امتزج بالسخرية يتعلّق بالنفس بسرعةٍ بالغة ويبقی أمداً طويلاً.

والملاحظة الهامّة التی تجدر بالإشارة هی أن خلفاء بنی العباس کانوا يحاولون اجتذاب الشعراء والأدباء لدعم سلطتهم وتأييد نظريتهم الوراثية فی الخلافة من جانب، وليکونوا بمنأی عن خصوم الخلافة من جانب آخر،وکان هارون الرشيد فی طليعة اولئک، فلمّا فطن دعبل لخطّة الرشيد سرعان ما انقلب وکشف حقيقة خطّته بقوله:

وَعاثَتْ بَنو العبّاسِ فی الدّينِ عَيْثَةً

 

تَحَکَّمَ فيه ظالمٌ وظَنينُ

وَسَمُّوا رَشِيداً لَيسَ فِيهِم لِرُشْدِهِ

 

وَها ذَاکَ مَأمُونٌ وَذاکَ أمِينُ

فَمَا قُبِلَتْ بالرُّشْدِ مِنْهُم رِعايَةٌ

 

وَلا لِوَلیٍّ بِالأمانَةِ دِينُ

               رشيدهم غاوٍ وطفلاه بعده       

 

لِهذَا رَزايا دُونَ ذلکَ مُجُونُ



 

                                                                          (دعبل الخزاعی 289)

 وأیّ سخريةٍ أبلغ وأقسی من هذا؟ فالشاعر لا يسخر فی الأبيات السابقة من قضية عدم النضج السياسی عند هارون الرشيد فقط، بل تتعدی سخريته إلی الوضع الذی آلت إليه الأمور، فالخليفة ضالٌّ وکذلک ابناه، وهما يخونان فی الدين الذی هو أمانة بأيديهما.کل ذلک أدّی إلی تدهور الأمور والبلاد، وأين الشعب من کل ذلک؟الشعب فی حالة ضياع وظلم، فکيف يستطيع هذا الشعب أن يشکو أمره وأن يبلغ سؤله، وسلطانه لم يبلغ بعد.کانت هذه السخرية سلاحاً فی محاربة الظلم والفساد ومقاومة الجور والطغيان أو علی الأقل کانت تلفت الحکام إلی مثل هذه الأوضاع.

ومن الأحداث الخطيرة التی واجهها هذا العصر وظفرت باهتمام المؤرخين خلافة ابراهيم بن المهدی.بعد أن قتل الأمين فی بغداد کان المأمون لا يزال فی طوس التی اتخذها عاصمة له فرشّحت حاشية القصر فی بغداد عمّ المأمون المغنّی المشهور إبراهيم بن المهدی للخلافة.نری دعبل يصوّر هذه الحادثة فی شعره قائلاً:

نَعَرَ ابنُ شَکْلَةَ بِالعِراقِ وَأهْلهِ
                      

 

فَهَفَا إلَيهِ کُلُّ أطْلَسَ مَائقِ


 

إنْ کانَ ابْرَاهيمُ مُضْطَلِعاً ِبَها
                       

 

فلْتَصْلُحَنْ مِنْ بَعْدِهِ لمُخَارِقِ

وَلْتَصْلُحَنْ مِنْ بَعدِ ذَلکَ لِزَلْزلٍ 
                 

 

ولْتَصْلُحَنْ مِنْ بَعدِهِ لِلْمَارِقِ

أنّی يَکُونُ وَلَيسَ ذَاکَ بِکائِنٍ 
                

 

يَرِثُ الخِلافَةَ فَاسِقٌ عَنْ فَاسِقِ 
 

                                                                                (دعبل الخزاعی 244)

فقد هاجم دعبل كُلّ من بايع إبراهيم ، واتّهمهم بالطيش والحمق، وأنكر عليهم تسليم الخلافة لفاسق، ويعتقد أن معظم الخلفاء العباسيين فاجرون فاسقون، وأمّا البيتان الأخيران فهما بيتا هزء وسخرية فإذا صحّت الخلافة لإبراهيم، فولاية العهد تكون لمخارق، وتصلح فيما بعد لزلزل والمارقي، وكلهم من مغني ذلك العصر، وقد استمدّ الشاعر جرأته من تشيّعه وحبّه لآل البيت، وهي دافع أساسي وراء هذه السخرية.

ونری دعبل يتناول تلک المسألة فی مقطوعة أخری وکأنّه يريد أن يحطم هيبة الخلافة العباسية ويقرنها بالعبث والفسق والانحلال،ويحيل خلافة بنی العباس التی زعموا أنّها جاءت لنصرة الدين خلافةً کتابها المزهر.اسمعه يقول:

يا مَعْشَرَ الأجْنَادِ لاتَقْنَطُوا

 

وَٱرْضُوا بِمَا کَانَ وَلا تَسْخَطُوا

فَسَوْفَ تُعْطَوْنَ حُنَيْنِيَّةً

 

يَلْتَذُّها الأمْرَدُ وَالأشْمَطُ

وَالمعْبَدِيّاتُ لِقُوّادِکم

 

لا تَدْخُلُ الکَيْسَ وَلاتُرْبَطُ

وَهَکَذا يَرْزُقُ أصْحَابَهُ

 

خَلِيفَةٌ مُصْحَفُهُ البَرْبَطُ

قَدْ خَتَمَ الصِّکَّ بِأرْزاقِکُم

 

وَصَحَّحَ العَزْمَ فَلَمْ تُغْمِطُوا

بَيْعَةُ ابْراهِيمَ مَشْؤُومَةٌ

 

تُقْتَلُ فِيها الخَلْقُ أوْ تُقْحَطُ

                                                                                (دعبل الخزاعی 219)

تعدّ هذه الأبيات من أجمل سخريات دعبل اللاذعة حيث يصوّر الجنود والنّاس يطالبون رواتبهم من الخليفة المغنّی(ابراهيم بن المهدی) قبل أن يتنازل عن الخلافة للمأمون.أصابت الدولة زمن خلافته بعجزٍ مالی فاجتمع الناس والجنود والضباط أمام القصر وهم يطلبون رواتبهم، وظهر مندوب الخليفة قائلاً لهم إن الخليفة ليس عنده مال يدفعه لکم.فالشاعر أراد أن يقول إن الذين اجتمعوا قد رضوا بأن يغنّی الخليفة لهم بدلاً من أن يدفع لهم رواتبهم.وقد رکّز الشاعر فی الأبيات السابقة علی المفارقة البارزة فصوّرها بلغةٍ سهلة کاشفة.و" ما من شکّ فی أن للصورة الفنية الساخرة فی شعر دعبل قيمة وهدفاً فلم تکن حشواً ولا هزلاً خالصاً، بل کانت تساعد علی تجديد النشاط وتوليد الشعور السليم وإزالة الانقباض وتجديد الراحة وتزيل التوتر والانقباض وتشرح الصدور وتقوّم الأخلاق، تحافظ علی التقاليد وأوضاع المجتمع وتصحيح الإعوجاج وتربی ملکة النقد وتوقظ التنبه إلی الأخطاء وتجسيم النقائض ليضحک الناس من کلّ ما يلحظون فيه مخالفة للمألوف".(محمد عويضة،1993،ص177).

بدأت سيطرة الأتراک علی زمام الأمور منذ بداية خلافة المعتصم وهؤلاء عاثوا فی البلاد عيثةً،فنری دعبلاً لم يسکت أمام هذا الأمر بل نظم اشعاراً کثيرة فيه، لعلّ ما نذکره أصدق وصف لتلک الحالة التعسة التی مرّ بها الخلفاء العباسيون.فنری الشاعر يشير فی قصيدة له تبلغ اثنی عشر بيتاً إلی ما بيّناه سابقاً قائلاً:

لَقَدْ ضَاعَ مُلْکُ النّاسِ إذْ سَاسَ مُلْکُهُم
   

 

وَصِيفٌ وَأشْناسٌ وَقَدْ عَظُمَ الخَطْبُ

 

وَفَضْلُ بنُ مَروانٍ سَيَثْلَمُ ثلْمَةً

 

يَظَلُّ لَها الإسْلامُ لَيسَ لَهُ شِعْبُ

وَهَمُّکَ تُرکیٌّ عَليه مَهانَةٌ

 

فأنتَ لَهُ أمٌّ وَأنتَ لَهُ أبُ

إنّ هذه السخريات لفتات مستمرة تنبّه الأذهان إلی الأوضاع الفاسدة السائدة وتجدد مشاعر الکراهية للخلفاء وتذکی نار الغضب،کما أنّها تدلّ علی تذمّر الشاعر من حال الحکم وتسلّط الأتراک علی الخلافة وتسيير الخلفاء حسب  أهوائهم، فلذلک يقول إنّ الناس ضاعت أمورهم، وهذه لمأساة عظيمة.

 إنّ الشاعر بعد أن تطرّق إلی أوضاع الخلافة والحکومة لا يطيق التکلّم تحت أستار الکلمات المبهمة فيتفجّر التزامه السياسی من صدره کحمم ملتهبة متفجّرة هاتفاً صارخاً بأسلوب السخرية والهزل مخاطباً عامّة الناس:

خَليفَةٌ فی قَفَصٍ                                     

 

بينَ وَصيفٍ و بُغا[1]


 

يَقُولُ ما قالا لَهُ                                   

 

کما يَقُولُ البَّبَغا

لم يقصد دعبل من الأبيات المذکورة الجمال والمتعة الفنية،بل يصوّر آلاماً لاذعة وأحزاناً تجيش فی صدره بسبب ما آلت إليه الخلافة من التفکک والضعف، والتی يجب أن تراعی مصالح الشعب.يعتقد دعبل أنّ الخليفة أصبح العوبةً بيد الأتراک وقادتهم وهو کالببغاء يقلّد ما يمليه وصيف وبغا، وذلک منتهی السخرية والرزاية بالحکم المتقلب والحالة القلقة،والانحطاط السائد وتبلبل الأمور وفوضی الأعمال.ومن البديهی بعد ذلک کلّه أن يندد دعبل بالوضع السائد ويسخر من الخليفة.ونری الشاعر يرسل إلی المعتصم أبياتاً بعد خروجه من بغداد مغضباً وفيها نشعر السخرية بوضوح تامّ.اسمعه يقول:

بَغْدَادُ دَارَ المُلُوکِ کَانَتْ
                    

 

حَتّی دَهَاها الَّذِی دَهَاهَا[2]


 

ما غَابَ عَنْها سُرورُ مُلْکٍ
                     

 

عَادَ إلَی بَلْدَةٍ سِوَاهَا


 

ليسَ سُرورٌ بِسُرَّ مَنْ رَأی
                     

 

بَلْ هی بُؤسٌ لمَن يَرَاها

 

عَجَّلَ رَبّی لها خَرَابَاً
                         

 

بِرَغمِ أنْفِ الّذی ابْتَنَاها

 

                                                                           (دعبل الخزاعی307) 

ولکنّنا نجد أحياناً سخرية غير مشبعة بجوّ الضحک ونجد کذلک جانب المرح فيها خفيفاً وهادئاً.ونحن نستطيع أن نستشف منها أن دعبل لا يعمد إلی النکتة ولا يريد الإضحاک بل يعانی احساساً بالمرارة لم يتوقف عند إطار الحزن والألم.ومن أجل ذلک أخذ يصوغه فی ثوبٍ جديد قد يکون رمزياً وقد يکون صريحاً يحمل کلّ مظاهر الاستخفاف والروح الساخرة الذی يعنی الانتصار علی الأحداث أو تخطی الحواجز التی قد يعجز عن تخطّيها الآخرون.لمّا مات المعتصم وتولّی الواثق الخلافة نری الشاعر يصوّر فراغ الخلافة من معانيها کلّها، وإلی نفض الناس أيديهم منها وإدارة ظهورهم لها،وهو أمضّ ما بلغ هجاؤه السياسی من وضوح القصد.يقول الشاعر لمّا مات المعتصم وقام الواثق مقامه:

الحَمْدُ لِلّهِ لا صَبْرٌ وَلا جَلَدُ
               

 

وَلا عَزاءُ إذَا أهْلُ البَلا رَقَدُوا

خَلِيَفَةٌ ماتَ لَمْ يَحْزَنْ لَهُ أحَدُ
                 

 

وَآخَرُ قَامَ لَمْ يَفْرَحْ بِهِ أحَدُ


 

فَمَرَّ هذا وَ الشُّؤمُ يَتْبَعُهُ  
                

 

وَقَامَ هَذا فَقَامَ الوَيْلُ وَالنَّکِدُ

 

                                                                             (دعبل الخزاعی168)

کان دعبل بهده الأبيات لسان الشعب فی التعبير عن موقفه إزاء الحوادث ،فنستطيع أن نسمع صوت الشعب قوياً واضحاً،وهو يعلن هذا الرفض فی أکثر من صورة وبأکثر من أسلوب، فيتهکّم بالحکم والحاکمين.وهذا يدل علی أن الشعب سئم من الخليفة وأصبح وجوده و عدمه سيان عنده.والنموذج الذی ذکرناه "يعد من قمّة الشعر الساخر الذی عرفته عصور الأدب بحيث يعدّ وثيقة لمهزلة حکم السلاطين الذين يموتون فلم يحزن عليهم أحد، وينصبون فلم يفرح بهم أحد، حيث تظلّ أمثلة هذا الشعر الساخر تعبيراً عن الحقائق الإجتماعية التی تتحدث عن أصوات الرأی العام وتصوراتهم للسلاطين"(البستانی،محمود،ص525).وإنّا نستنبط ممّا سبق نقطتين هامتين:

 الأولی:ليس للسلطة العباسية مشروعية دينية،لأنّها قامت علی أساس الخديعة واُغتصبت السلطة من أصحابها الحقيقيين وهم أهل البيت عليهم السلام.

الثانية:إن الحکومة لدی العباسيين لا تتمتع بميزة المقبولية عند جمهور الشعب، فلذلک لم يحزن أحد لفقد الخليفة.فالشاعر لم يکن يستطيع التعبير عن هذه النقطة بألفاظ أخری، وهذه الأبيات تؤدی مدلولها بصورة دقيقة.

لما کان الخلفاء فی العصر العباسی فاسدين وظالمين ، فکان من الطبيعی أن يسری السوء إلی الوزراء والعمّال والکتّاب وينتشر بينهم. کان دعبل يرصد أعمال هؤلاء المنتمين إلی السلطة العباسية، فلذلک نراه لاحق كاتب المأمون أبا عبّاد وسفَّهه، وجمع إلى فشله في عمله بشاعة في صورته، فتركه عارياً ملطّخاً بالحبر، وحوّل الصورة إلى مشهدٍ متحرّك، فجعله هائجاً يجرّ السلاسل خلفه.يقول:

أوْلی الأُمُورِ بِضَيْعَةٍ وَ فَسَادِ

 

أمْرٌ يُدَبِّرهُ أبُو عَبّادِ

وَکَأنّهُ مِنْ دِيرِ هِزْقِلَ مُفْلِتٌ

 

حَرِدٌ يَجُرُّ سَلاسِلَ الأقْيادِ[3]

فَٱشْدُدْ أميرَ المؤمِنينَ وِثاقَهُ

 

فَأصَحُّ مِنهُ بَقيّةُ الحدّادِ[4]

                                                                             (دعبل الخزاعی181)

ودعبل بهذه الأبيات يجرّد أبا عبّاد من الخصائص الإنسانيّة وما تتبع من تکاليف أمثال العقل والتفکير، وينزله إلی مرتبة الدوابّ بل أسفل منها.واستطاع الشاعر فی الوصول إلی غرضه من الهجاء أن يستخدم مجموعةً من الصور مثل"خرق علی جلسائه، ملحمة ويوم جلاد يسطو بدواته، مضمخ بدم، کأنّه من دير هزقل مفلت،حرد يجرّ السلاسل، أشدد وثاقه"(محمد عويضة،ص 151)وجعله في موطن آخر أحد أركان الضعف في بيت الخلافة.اسمعه يقول:

ما لِلخَليفةِ عَيْبٌ

 

إلّا أبو عَبّادِ

قِردٌ بَنُوهُ قُرودٌ

 

تأوی إلی قرّادِ

هذا الاستخفاف و ما يصاحبه من احساس بالمرارة أو الحزن يقوم فی صياغة السخرية مقام أشدّ الضحکات وقعاً، فالسخرية هنا لاذعة عنيفة. إن هذا الجانب الساخر فی أسلوب دعبل ليصور لنا مبلغ قدرة الرجل الفائضة علی التهکم ،کلّما أراد أن يسخر، وکلما شاء أن تحزّ نقداته فی القلوب، ولست أعلم أن هناک شاعراً قبله استطاع أن يبلغ هذه الجودة الفائقة علی التهکم.

3-1-2.التهديد

من المبادئ التي آمنت بها الشيعة التمرد على الظلم ومناجزة الظالمين، فقد انطلق دعبل من هذا المبدأ إلى مقارعة الظلم، وکثيراً ما نراه  يستخدم فی هجائه السياسی التهديد کأسلوب لمواجهة السلطة العباسية، فحدث هذا الموقف بکثرة فی وقوفه أمام المأمون، غير أنّ بعض الباحثين حاولوا التقليل من أهمية مواقف دعبل السياسية إبّان خلافتة ووصفوه بالمبالغة فی العفو، فلذلک ذکروا أنّ هذه الصفة" دفعت الشاعر إلی التطاول عليه والتّمادی فی هجائه ونقده ومعارضته فی جرأة مکشوفة فی مواقف عديدة کأنّما کان يضمن عفوه"(محمد عويضة،ص13).

ذکرت المصادر التاريخية أن المأمون لمّا حصل علی الخلافة، أمر بخلع السواد شعار العباسيين ولبس الخضرة شعار العلويين إرضاءً لهم، غير أنّ تطوّر الظروف فی بغداد سرعان ما جعله يتراجع عن مواقفه إزاء الشيعة فتغيرت علاقته بالعلويين بتمزيق الخضرة شعار العلويين،فکان طبيعياً أن يتغير دعبل ويتخذ موقفاً مخالفاً لما کان من قبل.لذلک نراه يتفجّر غضباً ويصبّ حمم غضبه علی المأمون قائلاً:

أيَسُومُني المأمونُ خِطّةَ عاجِزٍ
              

 

أوَما رأی بِالأمسِ رأسَ مُحمَّدِ[5]


 

نُوفِي عَلی هامِ الخَلائِفِ مِثلَما
             

 

تُوفِي الجِبالُ عَلی رُؤوسِ القَرددِ

 

                                                                                   (دعبل الخزاعی175)

وفی هذه الأبيات تتجلّی ثورة الشعر لدی دعبل فی أسلوب تهکمیّ ساخر يفضح حکم المأمون الذی لم يحقّق للشعب أیّ منجزٍ يذکر بل کان أداة هدم وخراب، إلّا أنّ الحساب قادمٌ وسيعلم الذين طلموا أیّ منقلب ينقلبون.وهو بعد ذکر هذه الأبيات التی تشبه مقدمةً تمهّد الأرضية للتطرّق إلی الموضوع الرئيسی ينشد أبياتاً يدرس فيها العوامل التی أدّت إلی تولّيه الخلافة فيشتدّ غضبه فيقول مهدداً:

إنّي مِن القَومِ الّذينَ سُيُوفُهم
                  

 

قَتَلَت  أخَاکَ وشَرَّفَتْکَ بِمقعَدِ

 

رَفَعُوا مَحَلَّکَ بَعدَ طُولِ خُمُولَةٍ
              

 

وَاستَنْقَذُوکَ مِنَ الحَضيضِ الأوْهَدِ


 

                                                                                       (المصدر نفسه176)

إنّ الشاعر يريد أن يکشف عن أيدٍ لها المنة العظمی علی المأمون فی الوصول إلی الخلافة، فيذکّره بمکانته قبل الخلافة.غير أنّ نقطة هامّة مخبوءة وراء هذين البيتين، وهی أن الشاعر يهدده بأنه يسهل عليه أن يکرر الموقف الذی کان أخوه فيه، يعنی يسهل عليه تغيير الوضع السائد.ثمّ يحذر المأمون من أن يتمادی فی غيّه فيقول:

إنَّ التِّراتَ مُسهَّدٌ طُلّابُها 
              

 

فَٱکفُفْ لِعابَکَ عَن لِعابِ الأسوَدِ[6]

 

لا تَحسَبَنْ جَهلِی کَحِلمِ أبي فَما
             

 

حِلمُ المَشايِخِ مِثلُ جَهلِ الأمرَدِ

 

                                                                                    (المصدر نفسه176)

وهکذا استمرّ دعبل متمسکاً بمبادئه ومصرّاً علی الإطاحة بحکم المأمون وازدادت ثورة الشعر أجيجاً ولهيباً لتنطلق صيحةً فی وجه المأمون رافضةً لحکمه.ألسنا نجد فی هذه الأبيات روح التحدی والإباء؟فطلّاب الثأر لا ينامون کناية عن استعدادهم للانتقام والنيل ممن أوقع بهم عدواناً ويحذر من أن ظلمه لا يوازی خطر الحية العظيمة، ويعرفه بأن حلم الکبار يختلف عن طيش الشباب وتمردهم متوسلاً بلون من المقابلة بين الجهل والحلم وبين الشيخ والأمرد.

3-1-3.استلهام و استدعاء التراث القرآنی

لقد أصبح استلهام التراث واستدعاء الشخصيات القرآنية ظاهرة هامّة عند الشعراء الإسلامية، ودعبل بوصفه شيعيّاً ممتازاً حاول قدر المستطاع أن يوظف التراث الدينی فی هجائه الساخر السياسی، فنراه قد اعتمد في تشكيل الصورة الشعرية على عناصر متعدّدة من التراث الدينی فی أشکاله المختلفة واغترف من معين الثقافة الإسلامية والقرآنية في نظمه السّاخر الذی اشتمل علی جوانب معنوية وحسية، وجاء بعضه في إطار المقارنة التی تهبط بالمهجو، وتجعله الطّرف الناقص في حمل تلك الصفة ،بينما في بعضه الآخر حمّل الشاعر المهجو الصفة الموّظفة، بغرض إثبات النقص عنده بطريقه الهزل والتلاعب.

 اتّخذ استدعاء التراث عند دعبل اتجاهين:

أ.الإتجاه الأول لفظیٌّ ومعنویٌّ، إذ يذکر ألفاظاً ويستحضر بعض المعانی، فنراه يستحضر أهل الکهف وکلبهم أثناء استهزائه من المعتصم الخليفة الثامن عند العباسيين.

مُلُوکُ بَنِی العَبّاسِ فِی الکُتُبِ سَبْعَةٌ

 

وَلَمْ تَأتِنَا عَنْ ثَامنٍ لَهُم الکُتُبُ

کَذَلِکَ أهْلُ الکَهْفِ سَبْعَةٌ

 

کِرامٌ إذَا عُدُّوا وَثامِنُهُم کَلْبُ

وَإنّی لَأُعلِي کَلْبَهُم عَنْکَ رَفْعَةً 
           

 

لِأنَّکَ ذُو ذَنْبٍ وَلَيسَ لَهُ ذَنْبٌ


 

کَأنّکَ إذْ مُلِّکتَنا لِشَقائِنا  
            

 

عَجُوزٌ عَلَيهَا التّاجُ وَالعِقْدُ والإتْبُ[7]

 

                                                                                     (دعبل الخزاعی102)

لا شکّ أن هذه الأبيات مستوحاة من التراث القرآنی، وقد أدّاها بصورةٍ فکاهية ظريفة زادت من جمال اسلوبها،فقد شبه خلفاء بنی العباس بأهل الکهف، والمعتصم بالکلب المرافق لهم، ثمّ يعلی مکانة کلب الکهف البرئ من الذنوب علی مکانة المعتصم ذی الذنوب الکثيرة، ثمّ يصور المعتصم فی صورة عجوز تضع علی رأسها التاج وتلبس فی صدرها العقد وتلبس الثياب الجميلة ساخراً من الخليفة الذی احتلّ مکاناً لايستحقه وتصدّر منزلاً لا صلاحية ولا أهليّة له فی تصدّره وتتزيّن کما تتزيّن الفتيات لتخفی عيوبها، ولقد وفّقَ الشاعر في توظيفه لقصّة أهل الكهف واستطاع أن يوجد معها علاقة مباشرة أقامها على التعليل.

ولم يکن استلهام التراث عند الشاعر صدفةً بل کان کما يری الدکتور البستانی هادفاً و"اتّساقاً مع أصحاب الکهف الذين کان ثامنهم کلبُهم،و هذا يعنی أنّه انتخب من أقصوصة أهل الکهف ما يتناسب وهدفه "(البستانی،محمود،1413ه،ص523).

ب. أمّا الاتجاه الثانی من استدعاء التراث الدينی جاء فی إطار القصة القرآنية. ،فنری دعبلاً الخزاعی يستعين بقصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز التی راودته عن نفسها ،فولّى هارباً إلى الباب، فقدّ قميصه من دُبر، وأراد من هذه القصّة الطعن في رجولة بني فضل.اسمعه يقول:

إذَا رَأَيْتَ بَنِی وَهَبٍ بِمَنْزِلةٍ

 

لَمْ تَدْرِ أَيُّهُم الأُنْثَی مِنَ الذَّکَرِ

قَمِيصُ أُنْثَاهُمُ يَنْقَدُّ مِنْ قُبُلِ

 

وَقُمْصُ ذُکْرَانِهِم تَنْقَدُّ مِنْ دُبُرِ

مُحَنَّکُونَ عَنِ الفَحْشَاءِ فِی صِغَرِ

 

مُحَنَّکُونَ عَنِ الفَحْشَاءِ فِی کِبَرِ[8]

مُحَنَّکُونَ وَلَمْ تُقْطَعْ تَمَائِمِهِم

 

مَعَ الفَوَاطِمِ وَالدَّايَاتِ بِالکِبَرِ

ولجأ دعبل هنا إلى نقل الأدوار ومبادلتها ، ففي العادة الرجل هو الطالب، والمرأة هي المطلوب، ولذلك فإن قميص الأنثى ينقد من دبر نتيجة التمنّع والإدبـار لكنَّ دعبل نقل الأدوار ليؤكد ما ذهب إليه في البيت الأول.

والملاحظة الهامّة التی يجب أن ننتبه إليها هی أنّ الشاعر باستلهام واستدعاء هذه الشخصيات کموروث دينی قصد ربطه بدلالاتٍ أساسية لا تخرج عن نطاق فکرة الصراع والثورة کما أنّه قصد الکشف عن حقائق ووقائع طالما استترت برداءٍ زائف، فأراد تعريتها وکشف وجهها الحقيقی بطريقةٍ تلميحية بعيداً عن المباشرة والتقريرية.

3-1-4.الصورة الاستدلالية

من الأساليب الرائعة التی استخدمها دعبل فی هجائه السياسی اقتران السخرية بالصور الاستدلالية، وإن لم يبلغ فی قدرته وعمقه الدرجة التی عرفناها عند الکميت الأسدی شاعر الشيعة فی العصر الأموی، هذا لايعنی أنّ الشاعر لم يستطع أن يرسم صورةً منطقية بل السبب يعود إلی أنّ باب الهجاء أضيق قلّما يحتاج إلی الاستدلال المنطقی،وعلی الرغم من ذلک حاول دعبل أن يأتی أحياناً بأدلّة منطقية وإن وقف عند حدود ضيّقة.يقول فی هجاء ابراهيم بن المهدی عمّ المأمون عندما اختاره أهل بغداد خليفة لهم فی حين کان المأمون خليفة لهم فی مدينة طوس:

نَعَرَ ابنُ شَکْلَةَ بِالعِراقِ وَأهْلهِ
                      

 

فَهَفَا إلَيهِ کُلُّ أطْلَسَ مَائقِ


 

إنْ کانَ ابْرَاهيمُ مُضْطَلِعاً ِبَها
                       

 

فلْتَصْلُحَنْ مِنْ بَعْدِهِ لمُخَارِقِ

وَلْتَصْلُحنْ مِنْ بَعدِ ذَلکَ لِزَلْزلٍ 
                 

 

ولْتَصْلُحَنْ مِنْ بَعدِهِ لِلْمَارِقِ

أنّی يَکُونُ وَلَيسَ ذَاکَ بِکائِنٍ 
                

 

يَرِثُ الخِلافَةَ فَاسِقٌ عَنْ فَاسِقِ 
 

                                                                                    (دعبل الخزاعی244)

يری الشّاعر أنّ ابراهيم بن المهدی الذی دعا الخلافة لنفسه لايليق أن يکون خليفةً وهی لاتصلح له،لأنّه مغنٍّ لايعرف أصول الحکومة والإدارة،وهنا يستهزئ الشاعر السلطة العباسية الزمنية التی انحطّ شأنه إلی درجةٍ يدّعی فيها مغنٍّ الخلافة. ثمّ يفترض دعبل ويقول:إذا کان الخلافة جديرةً بمغنٍّ فأولی أن تکون الخلافة بعده لمخارق وزلزل، وهما مغنّيتان مشهورتان فی العصر العباسی.وهذا استدلال منطقی إلّا أنّه اُقترن بالسخرية وزادت من شدّته ولذعته.  

ولا بدّ أن نعترف أنّ الشاعر هنا غلبت علی شعره المباشرة والخطابية، وهذا أدّی إلی أن تفقد قصيدته الکثير من جماليّتها،فلقد كان دعبل بصدد خطاب جماهيری يستعرض الظروف السياسية السائدة ويعالج واقعها عبر أبيات قصيدته.لذلك كان يهتم بالحدث أكثر من إهتمامه بالناحية الفنية كما إنه كان يحاول لفت أنظار الأُمة الى حقيقة ما يدور في الساحة السياسية العباسية بأقصى درجات الوضو،.وأراد أكثر من ذلك يحاول الإحاطة بالموقف السياسی من جميع جوانبه على حساب المعيار الفنی للقصيدة.

وكان من مواقفه البطولية التی استفاد من قوّته المنطقية والاستدلالية هجاؤه للرشيد حينما جاء المأمون بجثمان الإمام الرضا عليه السلام فدفنه بجوار أبيه، وقد سأل عن ذلك فقال: ليغفر الله لهارون بجواره للإمام الرضا فقال دعبل رادّاً عليه:

أَربَعْ بِطُوسٍ عَلی قَبْرِ الزَّکیِ بِها

 

إنْ کُنْتَ تَرْبَعُ مِنْ دينٍ عَلی وتَرٍ[9]

قَبْرانِ فِی طُوسَ خَيرُ النّاسِ کُلِّهِم 
            

 

وَقَبْرُ شَرِّهِم هَذا مِنَ العِبَرِ


ما ينفَع الرّجسَ من قرب الزکیِّ ولا 

 

علي الزکیِّ بِقُربِ الرِّجـــــسِ مِن ضَرَرِ




 
  

هَيهَاتَ کُلُّ ٱمْرئٍ رَهْنٌ بِما کَسَبَتْ

 

لَهُ يَداه فَخُذْ ما شِئتَ أوْ فَذَر

                                                                      (دعبل الخزاعی 198)

يشير الشاعر فی الأبيات السابقة إلی أنّ مدينة طوس تتضمّن قبرين اثنين هما قبر الإمام الرضا عليه السّلام وقبر هارون الرشيد، إلّا أنّه مفارقة کبيرة بينهما إذ أحدهما قبر خير النّاس کلّهم والآخر لشرّ النّاسٍ ثمّ يری الشاعر هذا من عجائب الأمور ويقول:لاينفع الرشيد شيئاً باقترانه للإمام الرضا کما أنّه لايضرّه شيئاً.

 کما أبنّا آنفاً أنّ الشاعر قصد أن يقارن بين قبر الإمام الرضا عليه السلام وقبر هارون الرشيد، ونراه استخدم من صور تضمينية و استدلالية فی الحصول علی غرضه الأصلی، أمّا الصورة التضمينية فتتمثّل فی البيت الأخير:هيهات کلّ امرئ رهن بما کسبت له يداه،حيث ضمّن الشاعر لفظاً ومعنی الآية القرآنية التالية"کلّ امرئ بما کسب رهين"(القرآن الکريم،الطور:21) وأمّا الصورة الاستدلالية فتتمثّل فی قوله:ما ينفع الرجس من قرب الزکیّ - ولا علی الزکیّ بقرب الرّجس من ضرر.ونری أنّ الشاعر حصل علی ما أراد تصويره ونجح لأنّ "نجاح هذه الصور يتجسّد فی رکونها إلی الاستدلال القائم علی أنّ تجاور قبرين يفترقان فی هويّتهما إيجاباً وسلباً، لا يعنی تماثلهما من جانب، کما لا ضرر علی ذلک من جانب آخر، وهو استدلال فنّی ممتع کلّ الإمتاع دون أدنی شکّ مادام الهدف هو إبراز الحقيقة التی تشير إلی الفارقية بين الإمام عليه السّلام وسلطان الدّنيا".(البستانی، محمود،ص524).

وعکست فی کتب التاريخ أصداء هذه الأبيات حيث ذکرت أنّ المأمون" ضرب بعمامته الأرض حين استمع إلی هذه الأبيات وفيها مقارنة بين الإمام الرضا عليه السلام ووالده الرّشيد وقال:صدقت.هذا يعنی أنّ الشاعر نجح فنيّاً من خلال الصورة الاستدلالية وسائر الصور التشبيهيّة والاستعارية والتضمينية التی وردت فی هذه الأبيات، وهو أمر يعود من جانب إلی الصدق الموضوعی فی هذه الصّور ثمّ الصدق الفنّی من جانب آخر حيث يضطرّ حتّی العدوّ إلی التسليم بالحقيقة التی أفرزها التعبير الفنی لدی هذا الشاعر"(المصدر نفسه، ص525)وأما الصورة الاستدلالية فتتمثل فی قوله:

ما يَنْفَعُ الرِّجسَ مِنْ قُربِ الزَّکیِّ             ولا عَلی الزَّکیِّ بِقُربِ الرِّجسِ مِنْ ضَرَرِ

ولا شکّ أنّ هذه الصورة الاستدلالية أسلوب فنّی رائع نال الشاعر غرضه بواسطتها، واستطاع أن يبرز حقيقة هامّةً وهی المفارقة الکاملة بين الإمام والخليفة العباسی.

 

3-1-5.الطابع القصصی

يضيف دعبل الخزاعی فی هجائه السياسی أسلوباً جديداً إلی صنعته الفنيّة يدخل فی إطار قصصیٌّ وفی هذا الأسلوب" يتولى الشاعر نقل ما يجری بمفرده،ولا تخرج لغة الخطاب من زمامه، وهذا أسلوب تسجيلی تصويری"(محمد عويضة،ص158).اسمعه يقول فی هجاء ابن عمران:

أتَيْتُ ابْنَ عِمْرَانَ فِی حَاجَةٍ

 

هُوِّينَةِ الخَطْبِ فَالتَاثَها

تَظِلُّ جِيَادِی عَلَی بَابِهِ

 

تُرُوثُ وَتَأکُلُ أرْوَاثَها

غَوَارِثَ تَشْکُو إلیَّ الخَلَا

 

أطَالَ ابْنُ عِمْرانَ إغْرَاثَها

                                                                                 (دعبل الخزاعی 156)

ويلاحق دعبل في سخريته ابن عمران ولا يترک أملاً يتحقق عنده ، وإن كان سهلاً هيّناً، فمن يقصده في أمرٍ ما،يظل واقفاً على بابه زمناً طويلاً ، يعانی من شدة الجوع والعطش.وأشد من هذا معاناة جواده الذی يضطر لأكل روثه طلباً للحياة بعد أن حُرِم الطعام.ونری الشاعر هنا يستخدم بعض عناصر فنّ القصّة فی شعره مثل الحدث والشخصيّات وترتيب المناظر المتتالية حتی يشکّل صورة تنمّ عن حساسية فنيّة مرهفة،إذ يفضل الشاعر بين عناصر الصّورة، وينسّق بين الخطوط حتی تبدو مجموعة الصور فی النّهاية کأنّها لوحة مرکبة من صور مرتبةٍ منطقيّاً، تعتمد اللاحقة فيها علی السابقة.

يجب أن نعتبر أن الخدمة الکبيرة التی أسداها دعبل فی هذه الفترة هی أنّ سخريته السياسية قدّمت للشعب الحقائق والأحداث بواقعية عميقة،و جعلت شعره يعدّ من مظاهر المقاومة والتمرّد علی الجور و المفاسد السياسية والاجتماعية،ومن هنا أتت أهمية شعره وتفرده فی الشعر العربی"وخلاصة ما مرّ أن أسلوب دعبل فی الهجاء السیاسی یکاد یکون فریداً فهو الوحید من الشعراء الإسلامیین الذی لم تسکن قوافیه عن هجاء کل خلیفة عاصره، وتری غیره من الشعراء عندما یهجو خلیفة إنما ینتقده لموقف معین ولا ینقد شخصیته الحاکمة الثابتة أی لا یقیّم سیاسته وأسلوب حکمه الذی ینهجه،بینما تری دعبل یقیّم سیاسة الملوک العباسیین تقییماً ینمّ عن وعی لشخصیة الحاکم المسلم التی استقاها من معایشته الأئمة(ع) کما أن النقد عنده منهج ثابت فی حیاته یعبر فیه عن رفضه لکل الحکام الذین توالوا علی منصب الخلافة وأنهم نمط واحد لا یختلفون عن بعضهم وهو یربط هؤلاء الحکام بالحکام الأمویین ویجعلهم إمتداداً لهم کما لاح من النماذج القلیلة التی مرت بنا من شعره، ویتألم للأمة الإسلامیة التی کتب علیها خنوعها أن تخضع لهذه النماذج الحاکمة الغریبة عن النموذج القرآنی للحاکم"(موسی،حسين،ص32).

 

النتائج:

1-تفنّن دعبل فی عرض القضايا المتعلقة بعصره، وساعده علی ذلک ثقافته الدينية ومعرفته الاجتماعية، والوظيفية وشاعريته الممتازة التی مکّنته من تنويع أساليبه الهجائية ما بين التهديد والتهکم،والصور الاستدلالية السخرية وتوظيف التّراث والسّرد القصصی.

2- کانت سخرية دعبل علی تلقائيتها وبساطتها سخرية هادفة وأنه حقق عن طريقها أهدافاً اجتماعية وسياسية عامة،کما أنّه کان فی هجائه السياسی جادّاً کلّ الجدّ ومعبّراً عن مواقفه وهواجسه خير تعبيرٍ، لأنّه کان ملتزماً بقضاياه وملتزماً مع ذاته.

3- من الأسباب التی دفعت دعبل إلی استخدام أسلوب السخرية فی هجائه السياسی هی ما تتمتع به السخرية من إمکانية السرعة فی النفاذ إلی العقول والتأثر بها، لتنتشر وتتصل بالرأی العام وبأفکار الجماهير، وتصبح من المکونات الأساسية لتنبّه الشعب.

4-تميّز الهجاء السياسی فی شعر دعبل بالصّراحة والشّجاعة، وقوّة التعبير و إن فقد فی کثير من جوانبه الترکيز علی لطائف الخيال وظرائف الصور الجمالية.

المآخذ:

1-القرآن الکريم.

2-ابن برد،بشّار،ديوان،تحقيق:محمد الطاهر بن عاشور،لجنة التأليف والترجمة والنشر، الطبعة الأولی،القاهرة،1950م.

3-ابن طباطبا،محمد بن علی،الفخری فی الآداب السلطانية والدول الإسلامية، القاهرة،1317هـ.

4- ابن وکيع، أبوبکر محمد بن خلف، أخبار القضاة، دار العلم للملايين، بيروت، 1989م.

5-أبوحاقّة،أحمد،الالتزام فی الشعر العربی،دار العلم للملايين، الطبعة الأولی،بيروت،1979م.

6-الإصفهانی،أبوالفرج،الأغانی،دار الکتب العلمية،الطبعة الثانية،1923م.

7-البستانی،محمود،تاريخ الأدب العربی فی ضوء المنهج الاسلامی،مجمع البحوث الاسلامية،الطبعة الأولی،مشهد،1414هـ.

8-بن علی،الخزاعی،ديوان،قدّم له:عبدالصاحب عمران الدجيلی،دار الکتاب العربی،الطبعة الثانية،بيروت،1972م.

9-الدهان،سامی،الهجاء،دار المعارف، الطبعة الثالثة،دون سنة طبع.

10-زيدان،جرجی،تاريخ التمدن الاسلامی،علّق عليه:الدکتور حسين مؤنس،دار الهلال،دون سنة طبع.

11-الشايب،أحمد،تاريخ الشعر السياسی، دار القلم،الطبعة الخامسة،بيروت،1976م.

12-الشکعة،مصطفی،الشعر والشعراء فی العصر العباسی،دار العلم للملايين،بيروت،1963م.

13-ضيف، شوقی، التطور و التجديد فی الشعر الأموی،لجنة التأليف و الترجمة و النشر،القاهرة،1952م.

14- طبانة،بدوی،قضايا النقد الأدبی،دار المريخ،الرياض،1984م.

15-العشماوی، محمد زكی،موقف الشعر من الفن والحياة في العصر العباسی،دار النهضة العربية،بيروت ،1981م.

16-عطوان، حسين، شعراء الشعب في العصر العباسی الأول، طبعة جمعية عمّال المطابع التعاونية،عمان،1970م0

17-القيروانی، أبوعلی الحسن بن رشيق،العمدة فی صناعة الشعر ونقده،نشر مکتبة الخانجی،القاهرة، 1907م.

18-مجلة الموقف الأدبی،العدد 366، 2001م.

19- محمد الحوفي،أحمد،الفكاهة في الأدب العربي وبعض دلالاتها،طبعة جامعة أم درمان الإسلامية ، 1967م.

20-محمد عويصة،محمد،دعبل بن علی الخزاعی(الصورة الفنية فی شعره)دار الکتب العلمية،الطبعة الأولی،بيروت،1993م.

21-المعرّی، أبوالعلاء،رسالة الغفران،دار الجيل،الطبعة الثانية،1991م.

22-مغنية،حبيب،الشعر السياسی من وفاة الرسول إلی نهاية العصر الأموی،دار البحار،الطبعة الأولی،بيروت،2009م.

23- موسی، حسين،دعبل بن علی الخزاعی،الدار الإسلامية،الطبعة الأولی،1980م.

24-هدارة،محمد مصطفی،اتجاهات الشعر العربی فی القرن الثانی الهجری،دار المعارف،القاهرة، 1963م.

 

 



[1] - وصيف وبغا:قائدان ترکيّان.

[2] -دها:من الداهية أی المصيبة والشدّة.يريد أنّها أصيبت بالنّائبة وأصبحت خربة.

[3] -دير هِزقل:دير مشهور بين البصرة وعسکر مکرم(ياقوت الحموی معجم البلدان540:2).ويضرب به المثل لمجتمع المجانين، ويقال للمجنون کأنّه من دير هزقل.

[4] -بقيّة الحداد:علی سبيل النسبة أو الإضافة.الوثاق:ما يشدّ به من قيد وحبل ونحوهما.

[5] -رأس محمد:يعنی محمداً الأمين ابن زبيدة الذی حاربه طاهر بن الحسين.هام:مفردها هامة وهی رأس کلّ شئ.القردد:ما ارتفع من الأرض وغلظ.

[6] -التّرات:مفردها ترة، الثأر.الأسود: الحيّة العظيمة.

[7] -الإتب: بردٌ يشقّ فتلبِسه المرأة من غير جيب و لا کمّين.

[8] ـ المحنّک:الذی أحکمته التجارب، وحنکته الأمور:جعلته حکيماً.التمائم:مفرده تميمة،وهی عوذة تعلق علی الصغار مخافة العين.

[9] ـ اربع: قِف.الوطر: الحاجة.

حکایت جاری من تو او

من به مدرسه میرفتم تا درس بخوانم
تو به مدرسه میرفتی به تو گفته بودند باید دکتر شوی
او هم به مدرسه میرفت اما نمی دانست چرا !

من پول تو جیبی ام را هفتگی از پدرم میگرفتم
تو پول تو جیبی نمی گرفتی همیشه پول در خانه ی شما دم دست بود
او هر روز بعد از مدرسه کنار خیابان آدامس میفروخت !

معلم گفته بود انشا بنویسید
موضوع این بود علم بهتر است یا ثروت ؟

من نوشته بودم علم بهتر است
مادرم می گفت با علم می توان به ثروت رسید
تو نوشته بودی علم بهتر است
شاید پدرت گفته بود تو از ثروت بی نیازی
او اما انشا ننوشته بود برگه ی او سفید بود
خودکارش روز قبل تمام شده بود !

معلم آن روز او را تنبیه کرد
بقیه بچه ها به او خندیدند
آن روز او برای تمام نداشته هایش گریه کرد
هیچ کس نفهمید که او چقدر احساس حقارت کرد
خوب معلم نمی دانست او پول خرید یک خودکار را نداشته
شاید معلم هم نمی دانست ثروت و علم گاهی به هم گره می خورند
گاهی نمی شود بی ثروت از علم چیزی نوشت

من در خانه ای بزرگ می شدم که بهار توی حیاطش بوی پیچ امین الدوله می آمد
تو در خانه ای بزرگ می شدی که شب ها در آن بوی دسته گل هایی می پیچید که پدرت برای مادرت می خرید
او اما در خانه ای بزرگ می شد که در و دیوارش بوی سیگار و تریاکی را می داد که پدرش می کشید !

سال های آخر دبیرستان بود
باید آماده می شدیم برای ساختن آینده

من باید بیشتر درس می خواندم و دنبال کلاس های تقویتی بودم
تو تحصیل در دانشگاه های خارج از کشور برایت آینده ی بهتری را رقم می زد
او اما نه انگیزه داشت نه پول، درس را رها کرده و دنبال کار می گشت

روزنامه چاپ شده بود
هر کس دنبال چیزی در روزنامه می گشت

من رفتم روزنامه بخرم که اسمم را در صفحه ی قبولی های کنکور جستجو کنم
تو رفتی روزنامه بخری تا دنبال آگهی اعزام دانشجو به خارج از کشور بگردی
او اما نامش در روزنامه بود روز قبل در یک نزاع خیابانی کسی را کشته بود !

من آن روز خوشحال تر از آن بودم که بخواهم به این فکر کنم که کسی؛ کسی را کشته است
تو آن روز هم مثل همیشه بعد از دیدن عکس های روزنامه آن را به کناری انداختی
او اما آنجا بود در بین صفحات روزنامه !
برای اولین بار بود در زندگی اش که این همه به او توجه شده بود !!!

چند سال گذشت
وقت گرفتن نتایج بود

من منتظر گرفتن مدارک دانشگاهی ام بودم
تو می خواستی با مدرک پزشکی ات برگردی همان آرزوی دیرینه ی پدرت
او اما هر روز منتظر شنیدن صدور حکم اعدامش بود !

وقت قضاوت بود
جامعه ی ما همیشه قضاوت می کند

من خوشحال بودم که مرا تحسین می کنند
تو به خود می بالیدی که جامعه ات به تو افتخار می کند
او شرمسار بود که سرزنش و نفرینش می کنند !

زندگی ادامه دارد ...
هیچ وقت پایان نمی گیرد ...

من موفقم من میگویم نتیجه ی تلاش خودم است !!!
تو خیلی موفقی تو میگویی نتیجه ی پشت کار خودت است !!!
او اما زیر مشتی خاک است مردم گفتند مقصر خودش است !!!

من، تو، او
هیچگاه در کنار هم نبودیم
هیچگاه یکدیگر را نشناختیم

اما من و تو اگر به جای او بودیم
آخر داستان چگونه بود ؟؟؟

هر روز از كنار مردمانی می گذریم كه یا من اند یا تو و یا او ؛
و به راستی نه موفقیت های من به تمامی از آن من است و نه تقصیرهای او همگی از آن اوست ...

4ـ1ـ الهجاء السياسي في شعر الشيعة في العصر العباسي الأول

4ـ1ـ1ـ الصراع بين العباسيين والشيعة

تحدّثنا في الفصل السابق عن الفرق والأحزاب السياسية ونشأتها وآرائها في الخلافة والمواقف السياسية، وكيف كان كلّ واحد منها يريد أن تكون الخلافة فيها، غير أننا لا نصل إلی العقد الثالث من القرن الثاني حتی تتغيّر الظروف، فتؤتي الثورات ضدّ الأمويين ثمارها، إذ كانت نتيجتها سقوط الدولة الأموية وقيام السلطة الزمنية العباسية، فلبس العباسيّون شعار مظلومية أهل البيت (ع) للوصول إلی مقاليد الخلافة وللتغلّب علی خصومهم الأمويين. غير أنهم بعد استقرار الأمور أصبحوا كالوحش المفترس في محاربتهم للشيعة وتشريدهم وتقتيلهم، فكانوا أسوأ من الأمويين وأشدّ منهم جريمةً. وإلی ذلك يشير أبو العطاء السندي في قوله:

يا لَيْتَ جَوْرَ بَنِي مَرْوَانَ عَادَ لَنَا          

 

يا لَيْتَ عَدْلَ بَنِي العَبّاسِ فِي النّارِ

 

                                                                 (أبوالفرج الأصفهاني الأغاني 333:17)              

وجدير بالذّكر أنّ هذا التغيير في السلطة والتقدم الحضاريّ في تلك الفترة كان مقروناً بالانحراف الاجتماعي حيث بلغ التّرف ذروته علی الصعيد المادّيّ فانتشرت آفات سلبية في المجتمع مثل الفساد الجنسيّ وشيوع الخمر واللّهو إلی حدٍّ يظنّ الانسان أنّ المجتمع قد تحوّل إلی حالةٍ لا يهتمّ إلّا بالحاجات الحيوانية. أضف إلی ذلك الانحراف السياسيّ الذي سلّم شؤون المجتمع السياسي إلی قلّة قليلة لا تعني بشئٍ سوی السيطرة والتّحكم وما يعقبها من قتل وإرهاب لتثبيت السلطة، فضلاً عن أنّ الخلفاء والسلاطين كانوا نموذجاً لممارسة الفساد جنسيّاً وترفاً.

فإذا كان الانحراف الاجتماعي والسياسي قد بلغ ذروته في مجتمع يفترض أنّه إسلامی في هويته، حينئذٍ لابدّ أن يستتبع ردود فعل من قبل أشخاص ملتزمين تتحرّك القيم الإسلامية في أعماق قلوبهم ممّا يترتّب علی ذلك ظهور الثورات علی الصعيدين السياسي والفكري الذي ينكر مظاهر الانحراف، فيهجو السلطة والانحرافات بعامّة. 

والملاحظة الهامّة التي تلفت انتباهنا في صراع الشيعة ومعارضتهم للعباسيين هی أنّ المعارضة اتّخذت أشكالاً مختلفة لعلّ أهمّها الشكلين التاليين:

أـ الشكل الأول: هو الصراع العسكري والحركات الثورية التي كان يقوم به أئمة الشيعة ومواليهم. لا شك أنّ العباسيين بنوا سلطتهم علی أساس البطش والمخادعة، وتمّ لهم استقرار أركان دولتهم بالاستبداد والفتك، فاستأثروا  بالخلافة من دون العلويين، ونكلوا بهم بالمراقبة والتضييق والحبس والقتل؛ ومع كلّ ما أقاموا عليه سلطتهم من الظلم والجور واستخدام الرّعب والترهيب، ولكنّ ذلك لم يَحُل بينهم وبين انتفاض النّاس عليهم وسعيهم للإطاحة بهم. فكان من الطبيعي أن تقوم الشيعة بثوراتٍ يظهر فيها دورهم الرساليّ في مواجهة الوضع الزائف.

شهد العصر العباسي الأول ثورات عديدة قام بها الشيعة، ونری في عصر أبي جعفر المنصور أول حركة ثورية تقوم بها الفرق الشيعية ضدّ الدولة العباسية وقد حمل لواء هذه الثورة محمد ذو النفس الزكية وأخوه إبراهيم، وكانت ثورتهما قد دوّخت العباسيين وخاصة أبي جعفر المنصور، وقد شغلت ثورتهما كثيراً من الأمصار الإسلامية و"اتّخذت الحركة مركزين ثوريين: أولهما في المدينة حيث ثار محمد النفس الزكية وبعث دعاته إلی مدن الحجاز، واليمن ومصر والشام وغيرها، وثانيهما في البصرة، حيث ثار أخوه ابراهيم بن عبدالله" (الليثي 147) وشهد عصر المهديّ حركة شيعية أخری هی ثورة علی بن العباس بن الحسن بن الحسن بن علی بن أبي طالب (ع).كانت الثورات السابقة كما أشرنا في الحجاز وبغداد، إلّا أنّ علی بن العباس جعل بغداد مركزاً لثورته وأراد أن يثور عليهم في عاصمة حكومتهم.

بدأ الصدام بين الخليفة العباسي الرابع موسی الهادي وآل الإمام علیّ بن أبی طالب (ع) منذ تولّيه الخلافة، وشهدت الشيعة مأساةً داميةً، إذ حدثت ثورةٌ بقيادة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علی بن أبي طالب، وانتهت باستشهاده في فخ بالقرب من مكة وبإراقة دماءٍ كثيرة من دماء آله وشيعته. انتهت حياة الخليفة الهادي سريعاً بعد شهور قليلةٍ من مأساة فخ واستشهاد الحسين بن علي، فارتاحت نفوس الشيعة بنهاية عهد هذا الخليفة الذي اشتهر بالغلظة والقسوة.

قامت الشيعة في عهد الخليفة هارون الرشيد بثورتين هما ثورة يحيی وثورة إدريس ابنی عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبی طالب، وكانا شقيقين لمحمد النفس الزكية وابراهيم اللذين أعلنا ثورتهما في عهد الخليفة المنصور واستشهدا في المدينة والبصرة. كان يحيی بن عبدالله من كبار شخصيّات البيت العلوي وكان له منزلة كبيرة في قلوب الشيعة (انظر: ابن طباطبا 194ـ196) وكان يحيی ومن خلفه العلويون والشيعة يتطلّعون للثأر لهما وللحسين بن علی شهيد فخ (انظر: ابن الأثير الكامل في التاريخ 90:5) انتهت هاتان الثورتان باستشهاد أصحابهما، إذ أصبح وقوف الخلفاء العباسيين موقفاً حازماً صلباً إزاء البيت العلوي سياسةً تقليديةً متوارثةً.

تولّی محمد الأمين الخلافة بعد موت أبيه هارون الرشيد سنة 193ه وحفل عهده بالاضطرابات والفتن، أبرزها الصراع العنيف بينه وبين أخيه المأمون، وكان ذلك نتيجة رغبة الأمين في مخالفة نظام ولاية العهد الذی وضعه الرشيد، فقد أراد خلع أخيه المأمون من ولاية العهد وتولية ابنه الصغير موسی، واستمرّ الصراع بين الأخوين ودارت كثيرٌ من المعارك الحربية يخرج ذكرها عن نطاق هذا البحث، وانتشرت الفوضی في أرجاء الدولة العباسية وفي بغداد خاصةً وانتهی الأمر بمصرع الأمين وتولي المأمون الخلافة.

تولّی المأمون الخلافة في فترة قلقة حرجة، سادت فيها الاضطرابات والأزمات في أرجاء الدولة فـ"بدأت أول حركة شيعية في عهد المأمون بعد سنةٍ واحدةٍ من تولّيه الخلافة وتزعّمها محمد بن إبراهيم بن اسماعيل بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وقد اشتهر باسم ابن طباطبا" (الليثي 318) وذكر الطبري سببين لقيام هذه الثورة الشيعية أوّلهما اضطراب أحوال الدولة إذ استأثر الفضل بن سهل بالسلطة والنفوذ في الدولة العباسية دون المأمون، والسبب الثاني فهو تحريض أبي السّرايا الذي كان داعية له، إذ ساءت العلاقات بينه وبين الدولة العباسية ورأی الاستفادة منه في خلع طاعة الدولة (انظر: الطبري 485:6).

شهد عصر الخليفة العباسي المأمون ثورة شيعية أخری اختلفت في مركز ثورتها وطابعها، وتزعّمها محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب الذي اشتهر باسم الديباج واتّخذت هذه الحركة بلاد الحجاز مركزاً لها في سنة 200ه (انظر: الليثي 336).

تولّی المعتصم الخلافة سنة 218ه فأصبح ثامن الخلفاء العباسيين الذين واجهوا ثورات الشيعة ونشاطاتهم، وفي بداية سنة 219ه قامت ثورة شيعية تزعّمها محمد بن القاسم بن عمرو بن علي ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، وتعدّ هذه الثورة حلقة من حلقات الثورات الشيعية في فترة حكم العباسيين (انظر: المصدر نفسه380). وكانت ثورة محمد بن القاسم هی خاتمة الثورات الشيعية في العصر العباسي الأول، ولم نشهد حتی نهاية عصر المعتصم ثورة لهم. ولابدّ من أن نشير إلی أنّ هذه الثورات الشيعية كانت تتفق في أنّها قامت من أجل القضاء علی الحكم العباسي ونقل الخلافة إلی أبناء البيت العلوي،كما أنّها كانت التطبيق العملي الإيجابي لآراء وتعاليم فرق الشيعة المختلفة التي اتّفقت في جوهر آرائها.

وكان الواثق الخليفة العباسي التاسع، وآخر خلفاء العصر العباسي الأول، قد تولّی الخلافة سنة 227ه بعد موت أبيه المعتصم، ولم يشهد عصره ما يمكننا أن نسمّيه ثورة.

ب ـ الشكل الثاني كان صراعاً فكريّاً ومعارضة منطقية اعتمدت علی الفكر واللّسان بدلاً من شهر السيّوف، فكان هذا الجهاد الفكري الذي كان الشعر قسماً منه، من صور الصراع بين العباسيين والعلويين ومن وسائل الحركات الشيعية ومن نتاجها أيضاً.

 

4ـ1ـ2ـ الصراع الفكري وأشكاله

وإذا تركنا الثورات العسكرية التي قام به أنصار فرقة الشيعة، والتي أرعدت اركان الدولة العباسية، نری الشيعة قاموا بشكلٍ آخر من الصراع لعلّه أهمّ من شكله الأول وهو الهجاء السياسي ونقد الحكومة. لقد عرفت الشيعة بالتمرد علی الظلم والطغيان، ومقاومة حكام الجور، وكان موقفها مع خلفاء الأمويين والعباسيين متّسماً بالشدّة والصرامة، وعدم مشروعية خلافتهم، الأمر الذي أوجب نقمتهم عليهم ومقابلتهم بجميع ألوان القسوة والعذاب.

هذا الشكل من المعارضة حمل لواءه شعراء الشيعة إذ قاموا بدور أساسي في توعية الشعب إزاء ما حدث في المجتمع، وما يحدث من اغتصاب الخلافة من أيدي أصحابها الحقيقيين، وبذلك فتحوا جبهةً جديدةً "ضدّ السلاطين الذين أغدقوا أموالاً طائلة علی حفنةٍ من كبار الشعراء وصغارهم ليضفوا شرعيّةً علی سلطتهم الدنيوية التي تعجُّ بمظاهر التّرف والبذخ واللّهو من جانب، وبالقتل والتمثيل وإحضار الرؤوس وبالسجن والتعذيب والإرهاب من جانب آخر" (البستاني محمود 439). 

اتّخذ الصراع الفكري بين الخلفاء العباسيين والشيعة صوراً كثيرة، ويمكن أن نعدّ الرسائل[1] المتبادلة بين الخليفة المنصور ومحمد النفس الزكية في بداية الدولة العباسية قبل أن يعلن ثورته ضدّهم أحد أشكاله. كما أننا نری بعض الخلفاء العباسيين كانوا يعقدون مجالس المناظرة يحضر فيها بعض زعماء الشيعة خاصة في عهد هارون الرشيد والمأمون.

ومن صور الصراع الفكري الأخری بين العباسيين والشيعة يمكن أن نذكر الاستعانة بالشعراء في الدفاع عن آراء كلّ فريق، وهجاء الفريق الآخر، وكان لكلّ من الفريقين شعراؤهم وكان الشعر من أمضی الأسلحة في ذلك العصر، ومن أبرز وسائل الإعلام ومخاطبة العقول والنفوس وتوعية الآخرين. 

أصبح الأدب الشيعي مرآة انعكست عليها صور هذه المعارضة الفكرية إذ علت أصوات شعرائهم منذ بداية العصر العباسي الأوّل تحتجّ على ضياع أمور الناس وهوان أحوالهم، وزوال هيبة الخلافة، وفساد السلطة، واتّخذوا الشعر وسيلة من وسائل النقد والإصلاح، معتمدين على ما وجدوه من عيوب وأخطاء لدى الخليفة وحاشيته، كما أنّنا نسمع أصواتهم الناقدة في زمنٍ مبكرّ، فواكبت ما جدّ على المجتمع من بذور الفوضى والانقسام، ابتداءً من تعيين الأمين ابنه موسى وليّاً للعهد ـ وهو طفلٌ رضيع بدلاً من المأمون ـ وانتهاءً بخروج الأمور من أيدي الخلفاء إلى أيدي العناصر الأجنبية.

 

4ـ2ـ أئمة الشيعة بين القيادة الروحية والسياسية

ذهب بعض الباحثين إلی إنكار دور أئمة الشيعة في قيادة الحركات السياسية والفكرية للشيعة في العصر العباسي الأول، فيری هؤلاء أنّ أكثر أئمّة الشيعة نهجوا منهج الإمامة الروحيّة التي تقرّبهم من أقطاب الصوفية وتبعدهم عن رئاسة الأحزاب السياسية، ونحن نراهم عندما يتحدثون عن ثورات الشيعة في العصر العباسي يذكرون الأئمة واحداً بعد الآخر معتقدين بأنّهم انصرفوا بعد حادثة كربلاء إلی الإرشاد والعبادات والتوجيه الديني والعقائدي واختاروا الإمامة الروحية وابتعدوا عن الخوض في ميادين السياسة ويستنتجون من جرّاء ذلك أنّه لم يكن لهم دور في تاريخ الشيعة السياسي (انظر: الليثي 34ـ40).

أقول: إنّ ما قاله هؤلاء من أنّ أئمة الشيعة المعصومين بعد مجزرة كربلاء قد اعتزلوا السياسة وانصرفوا إلی الساحات الروحية تاركين السياسة وشؤون الدولة للحاكمين، فهو خطأ محض لأنّ التشيع الذي وضع الرسول الأعظم صلّی الله عليه وآله وسلّم نواته لم يكن يريد إلّا القيادة الإسلامية التي كان يمارسها هو(ص) بنفسه لإتمام بناء الأمة علی أساس الإسلام بمعناه الواسع الشامل لجميع ساحات الحياة من روحية وسياسية واقتصادية وما إلی ذلك. ولو لم تكن مواقف الأئمة وشيعتهم وتجسيد التشيّع للإسلام كانت نهايته محتومة، لأنّ جهود الحكام العباسيين كلّها كانت موجّهة للقضاء عليه، ومع كلّ ذلك فقد ظلّ شامخاً يناهض جميع الحكام ويثور علی الظلم والظالمين. فأئمة الشيعة (ع) هولاء كانوا يعرفون بأنّ فساد المجتمع ينشأ في الغالب عن فساد حكامه ولا سبيل إلی الإصلاح إلا إذا تولّی أمور الأمة أناس صالحون يحسّون بآلام الأمة ومشاكلها ويعملون من أجلها.

إذن فمن غير المعقول أن يتنازل الأئمة عن الجوانب السياسية أو أیّ جانب منها، الّلهم إلّا أن نقول إنّهم انصرفوا بكلّ طاقاتهم إلی الجوانب الروحية والقكرية من القيادة لعدم تمكنهم من ممارسة السلطة التي حالت قوی الشرّ والبغی بينهم وبينها، كما أنّ عدم قيامهم بثوراتٍ مسلّحة ضدّ الحكام الذين عاصروهم من الأمويين والعباسيين لا يعني تنازلهم عن جوانب القيادة التي جعلها الله لهم، بل السبب يعود إلی عدم توافر الأجواء المناسبة لأیّ عمل من هذا النوع. ويكفينا أن نعود إلی سيرة الأئمة (ع) لنری أنّ كلّ إمام كان مستعدّاً في عصره حتّی يخوض جميع المعارك إذا توافرت لديه الإمكانيات اللازمة بنحو يستطيع أن يحقق الأهداف الإسلامية عن طريقها، وذلك لأنّ السلطة وحدها لم تكن من أهدافهم، بل كانت وسيلةً للسير بالإسلام في طريقه الصحيح.

ولقد اغتنم أئمة الشيعة أية فرصة مناسبة ليعبّروا عن آرائهم السياسية وليطرحوا وجهات نظرهم تجاه حركات الأحداث السياسية في حياتهم، واستطاعوا فعلاً أن يغطوا الأحداث بدقة وكفاءة، بل إنهم تخطّوا أطر الفعل السياسي باستكشاف الأبعاد الخفية للسياسات الاستبدادية؛ فكانت حصيلة ذلك كله نتاجاً شعرياً كبيراً شارك فيه كبار شعراء الشيعة في عصرهم.

 

4ـ3ـ شعراء الشيعة وهجاؤهم السياسي في العصر العباسي الأول

هناك ملاحظة هامّة تلك هی أن الدراسات الأدبية التي تناولت الشعر الشيعي، تركزت على بيان جوانب مختلفة كالمدح والرثاء و ... وما إلى ذلك من مواقف أدبية فيما أُغفل الجانب السياسي والنقدي الذي يتناول الخصوم والأعداء. لاشك أنّ لشعراء الشيعة قصب السبق في مضمار الشّعر علی مدی التاريخ الإسلامي إذ كانوا روّاداً في أكثر الفنون الشعرية، كما أنّهم فتحوا للشعر أبواباً جديدة لم تعرف قبلهم، لعلّ أهمّها الهجاء السياسي. فقد كوّن شعراء الشيعة هذا الركن الهامّ في الأدب في حين كان الأدب الرسمي فيه مثل المديح تطغی عليه الرغبات المادية وتصرفه عوامل الرجاء والخوف وتلهب نفوس أصحابه الهبات والهدايا.

إنّ الباحث في أدب الشيعة يجد أنّ شعراءهم في كلّ عصرٍ كانت لهم اليد الطولی في مقارعة الظلم، فكانت قصائدهم أسنّة في صدور الحكام الظالمين. يقول الدكتور طه عبدالحسيب حميدة وهو من شيوخ الأزهر في كتابه أدب الشيعة: "إن الموقف الذي وقفته الدولة من الشيعة من شأنه أن يلهب العاطفة ويثير الوجدان ويخلق فنّاً جديداً من القول مسرحاً جديداً للخيال وقد تمثّل ذلك في الأدب السياسي والعاطفي ـ وظهر أول وأقوی ما ظهرـ في الأدب الشيعي أدب النّفس الثائرة والعاطفة الصادقة والحبّ المتأجج في أدب العقيدة" (حميدة 345).

ولم يتعرض الشاعر الشيعي للسخط في عصر الأمويين فحسب، بل في عصر العباسيين أيضاً، لأن هذا الشعر قد اتجه إلى مقارعة الطواغيت، سواء كانوا من بني أمية، أم من بني هاشم من العباسيين، فالمتتبع في شعر الشيعة يجد كثيراً من الشعراء قاموا بدور معارض ضدّ السلطة العباسية الزمنية، واشترك عدد كبير من شعرائها في هذا المجال، فاستطاعوا إثراء الشعر الشيعي في بعده السياسي ، وهذا ما يمكن رصده بسهولة من خلال الحشد الكبير من الأسماء اللامعة في عالم أدب الشيعة. ولعلّ أوّل شاعر شيعي لمع اسمه في بداية هذا العصر كان سديف بن ميمون مولی الإمام السجاد وذكره ابن شهر آشوب ضمن الشعراء المقتصدين في أهل البيت وهو الذي حرّض بأشعاره السّفاح علی الانتقام من بني أميّة (انظر: الأمين 135).

 وقد ذكر صاحب الأغاني أنّ" أبا العباس ]السفاح[ كان جالساً في مجلسه بالحيرة علی سريره وبنو هاشم دونه علی الكراسیّ، وبنو أميّة علی الوسائد، قد ثُنِيت لهم، وكانوا في أيّام دولتهم يجلسون هم والخلفاء منهم علی السّرير ويجلس بنو هاشم علی الكراسیّ. فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل حجازيّ أسود راكب علی نجيب ] جواد أصيل [ متلثّم يستأذن ولايخبر باسمه ويحلف ألّا يحسر اللّثام عن وجهه حتّی يراك. قال: هذا مولای سديف يدخل. فلمّا نظر إلي أبي العباس وبنو أميّة حوله أحدر اللّثام عن وجهه وأنشأ يقول:

لايَغُرَّنَّك ما تَری مِنْ أُناسٍ

 

إنَّ تَحتَ الضُّلُوعِ دَاءً دَويّا[2]

فَضَعِ السّيْفَ وَٱرْفَعِ السَّوْطَ حتّی

 

لاتَری فَوْقَ ظَهْرِها أمَويّا

                                                       (أبوالفرج الأصفهاني الأغاني 136:4)

هذان البيتان كانا من الأسباب الرئيسة التي أدّت إلی أن يفتك أبو العباس السفاح بهم فتكاً ذريعاً بحيث لم يبقَ من جموعهم أحد.والملاحظة الهامة هی أنّ سديف قد تعرّض للعباسيين أيّام خلافة المنصور، كأنّه لم يدرك حقيقة العباسيين ذلك الوقت، لكن سرعان ما انكشفت الحقيقة للشاعر فبدأ بهجاءهم وخاصّةً المنصور وقال أشعاراً في تأييد محمد النفس الزكيّة و" أصدر ]المنصور[ أمره إلی عبد الصمد بن علي حاكم المدينة في دفنه حيّاً" (ابن عبد ربّه  72:5ـ73).

ونراه قد أعلن سخطه على الحكم الأموي بأدبه الفياض الذي هو من أروع ما قيل في أدب الثورة على الأمويين، إذ يقول:

أمسَتْ أميّةُ قَدْ أظَلَّ فناؤُها

 

يا قرّةَ العَينِ المُداوِي دَاؤُها

أمسَتْ أميّةُ قَدْ تَصَدَّعَ شعبَها

 

شعبَ الضَّلالِ وَشَتَّتَ أهواءها

ولقَدْ سُرِرْتُ لِعَبْدِ شَمْسٍ أنّها

 

أمْسَتْ تُساقُ مُباحَةٌ أحماءُها[3]

فَلأنّ أميّةَ عَبدَ شَمسٍ وَدَّعَتْ

 

لَقَد اضْمَحَلَّ عَن البِلادِ بلاؤُها

 

زَعَمَتْ أميّةُ وَهی غَيرُ حَليمَةٍ
         


 

أنْ لَنْ يَزُولَ وَلنْ يهدّ بِناؤُها[4]

 

هَيهاتَ قَدْ سَفِهَتْ أمَيَّةُ دِينَها

 

حتّی أذلَّ صغارَها كبَراؤُها

لُعِنَتْ أميّةُ كم لها مِن سَؤءةٍ

 

معْ سَؤءةٍ مَشهورةٍ عوراؤُها

                                                        (المرزباني أخبار شعراء الشيعة 82)  

بشّار بن برد فقد عدّه صاحب أعيان الشيعة من شعراء الشيعة المبرزين الذين هاجم السلطة العباسية وذكرها بالمصير الذي انتهی الأمويون إليه، ولابدّ أن نذكر أنّ بشّاراً لم يمثّل تيّاراً سياسيآً خاصّاً، لكنّه أعرب عن  ضجره وضيقه بصالح بن داود، وهو أخ ليعقوب بن داود وزير الخليفة المهدي، ولفت النّظر إلى شكل آخر من أشكال الفساد، وهو حصر وظائف الدولة في أيدي قلّه متنفّذة، يقول:

هُم حَمَلُوا فَوقَ المنابِرِ صَالحاً

 

أخاكَ فَضَجَّتْ مِنْ أخِيك المنابِرُ

                                                                                            (بشّار 305)

فهو يرى أن صالحاً غير مقبول للنّاس، وقد وُضع رغماً عنهم، ولجأ بشار إلى أسلوب التشخيص، فجعل المنابر تمقته وترفضه لسوئه وثقله. وبشار واحدٌ ممّن عبرّوا عن استيائهم من تفويض الأمور كلّها إلى الوزير يعقوب بن داود، وتسليمه الدّواوين، وتقديمه على غيره دون متابعة ومراقبة.

 كان يعقوب بن داود قبل وزارته للخليفة المهدي كاتباً لإبراهيم بن عبد الله بن الحسن، أخي النفس الزكية، وكان إبراهيم خرج في البصرة سنة 145 ه، وباءت ثورته بالفشل، وقُتل هو وأخوه محمد النفس الزكية، فطُلب يعقوب وحُبس أيام المنصور، فلمّا بويع المهدي مَنّ عليه بالعفو، وكان المهدي يخشى تحركات الشيعة الزيدية، فطلب رجلاً لـه معرفة بهم ليأمن به ثوراتهم، فدُلّ على يعقوب بن داود "فاستحضره المهدي وخاطبه فرأى أكمل الناس عقلاً، وأفضلهم سيرة، فشُغف به، واستخلصه لنفسه، ثم استوزره، وفوّض الأمور إليه" (ابن طباطبا 184). ربّما كان هذا الأمر قد حرّض الشاعر علی هجاء يعقوب بن داود، لأنّه أحسّ بمناصرته للعباسيين، فهجاه بالأبيات التالية معرّضاً للعباسيين:

بَنِي أمَيّةَ هُبُّوا طَالَ نَوْمُكم

 

إنَّ الخَليفَةَ يَعقُوبُ بْنُ داوُد

ضَاعَتْ خِلافَتُكم يا قَومُ فالتَمِسُوا
         

 

خَليفةَ اللهِ بينَ الزّقِ والعُودِ[5]

 

                                                                                           (بشار 94:3)     

هذه الأبيات آذت يعقوب بن داود وأراد أن ينتقم من بشّار، فدخل بين يدی المهدي وقال: "يا أمير المؤمنين إنّ هذا الأعمی الزّنديق قد هجاك. فقال بأیّ شئٍ؟ فقال: بما لاينطق به لساني ولايتوهّمه فكري. فقال له: بحياتي إلّا أنشَدتَني. فقال: واللهِ لو خيّرتَنی بين إنشادي إيّاه وبين ضرب عنقي لاخترتُ ضربَ عنقي. فحلفَ عليه المهدي بالأيمان التي لا فُسحَةَ فيها أن يُخبِره. فقال: أمّا لفظاً فلا، ولكن أكتُبُ ذلك. فكتبه ودفعه إليه. فكاد ينشقّ غيظاً" (أبوالفرج الأصفهاني الأغاني 149:2).

 كان يعقوب بن داود الباعث علی اتّهام الشاعر بالكفر والزّندقة بسبب هجائه له علی ما ذكره أبوالفرج كما أنّ سعايته كانت دافعةً المهديّ إلی قتله، وإن ندم الخليفة أخيراً علی قتله بما ظهر له خلاف ما سعی إليه لمّا بعث إلی منزله من يفتّشه فوجد طوماراً جاء فيه"بسم اللهِ الرحمنِ الرحيم إنّي أردتُ هجاء آل سليمان بن علیٍّ لِبُخلِهم فذكرتُ قرابَتَهم من رسولِ الله فأمسكتُ عنهم. فلمّا قرأه المهدي بكی وندم علی قتله وقال: لا جزی اللهُ يعقوب بن داود خيراً فإنه لما هجاه لفّق عندي شهوداً علی أنّه زنديق فقتلتُه ثمّ ندمتُ حين لايغني الندمُ" (المصدر نفسه 54:2) وله أبيات أخری في هجاء يعقوب بن داود:

لِلّهِ درُّك يا مَهْدِیُّ مِنْ مَلِكٍ

 

لولا اصطِناعُك يعقُوبَ بنَ داوُدِ

أمّا النَّهارَ فَتَخْمَاتٌ وَقَرقَرَةٌ

 

واللّيلَ يَأوي إلی المزمَارِ والعُودِ[6]

                                                                                               (بشّار 212:3)

وله قصيدة يهجو فيها المنصور ويشير إلی إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علی بن أبي طالب. فکان نظم بشّار هذه القصيدة في مدة ظهور إبراهيم بن عبدالله بالبصرة وکان إبراهيم في أمر عسير، فلذلک أشار بشّار عليه بالشّوری. نذکر هنا أربعة أبيات منها يخوّل الشاعر فيها بانقلاب الأعاجم عليه کما فتکوا بکسری:

أبا جَعْفَرٍ ما طُولُ عَيشٍ بِدائِمٍ

 

وَلا سَالمٌ عَمّا قَليلٍ بِسَالِمِ

عَلَی المَلِکِ الجَبّارِ يَقْتَحِمُ الرَّدَی

 

وَيَصْرَعُهُ فِي المَأزَقِ المُتَلاحِمِ

کَأنَّکَ لَمْ تَسْمَعْ بِقَتْلِ مُتَوَّجٍ

 

عَظيمٍ وَلَمْ تَسْمَعْ بِفَتْکِ الأعَاجِمِ

تَقَسَّمَ کِسْرَی رَهْطُهُ بِسُيُوفِهِم

 

وَأمْسی أبُوالعَبّاسِ أحْلامَ نائِمِ

                                                                             (المصدر نفسه 169:3)

منصور النّمري كان شاعراً شيعياًّ آخر لمع اسمه في هذا العصر وقد تعرّض للمطاردة والقهر السياسي، كما أنّه عرف بتشّيعه الشديد لآل البيت بحيث قرنه أحد الباحثين بدعبل الخزاعي معتقداً أنّه كان يحمل خشبته علی كتفه يريد من يصلبه (انظر: الشكعة 615) إذ تناول العباسيين بالنقد والتجريح رغم مديحه للرشيد، فنراه يهجوهم من أجل ما أصاب آل البيت من تعذيب واضطهاد علی أيديهم. أنصت إليه وهو يقول معرّضاً بخصومهم العباسيين حاضّاً علی الثورة والثأر:

آلُ النّبِیِّ وَمَنْ يُحِبُّهُم

 

يَتَطامَنُونَ مَخافَةَ القَتْلِ

أمِنَ النَّصارَی واليَهُودُ وهُمْ

 

مِنْ أُمَّةِ التّوحِيدِ فِي أَزْلِ

ألّا مَصَالِت يَنْصُرُونَهم

 

بِظُبا الصَّوارِمِ والقَنَا الذُّبْلِ[7]

                                                                                       (النمري 119)

نری الشاعر يدعو دعوةً صريحةً إلی ثورة دامية ضدّ العباسيين، وهو يريد ثورةً مسلّحة يشارك فيها الرجال الشجعان المزوّدين بالسيوف الصارمة والرماح الحادة، ثورةً تقوّض أركان السلطة العباسية الزمنية التي لايشعر فيها آل الرسول الأعظم (ص) بالأمن وهم دائماً يحسّون شبح القتل فوق رؤوسهم. فهذه الأبيات تكشف عن المناخ السياسي الذي أحاط بهذا العصر بحيث إنّ من يتجاهر بحبّ أهل البيت (ع) يتعرّض للقتل، ولذلك فإنّ الحصري يذهب إلی أنّ هذه الأبيات هی التي أثارت حفيظة الرشيد عليه فأمر بقتله، وأرسل رسوله إلی رأس العين لينفذ حكم الخليفة فيه فوجده قد مات (الحصري 60:2).

والأبيات التي ذكرناها تكشف عن المناخ السياسي المسموم في العصر العباسي الأول وما يسود فيه من جوّ مختنق إذ من يتجاهر بحبّ أهل البيت عليهم السّلام يتعرّض للقتل، ولعلّنا نستطيع بهذه الأبيات أن نفسّر استخدام التورية وما ذهب إليه الشاعر من ذكر كلمة هارون في أشعاره وإرادة مدلوله علی أساس رواية عن النّبيّ صلّی الله عليه وآله وسلّم حيث قال: عليّ منی بمنزلة هارون من موسی،كما أنّها تدلّ علی أنّ الشاعر قد بلغ نضجاً فنيّاً بالغاً بخاصة تضمينه الصوري للنصاری واليهود: وهم في ظلّ آمن مقابل آل النّبيّ (ص) وهم في شدّة.

ويری صاحب اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني أنّ النمری بهذه الأبيات أراد أن "يعتذر لاضطراره إلی الكذب في مدح العباسيين وإنكار حقّ العلويين" (هدارة 344).

وله قصيدة لاميّة أخری يقف في صفّ آل النّبيِّ صلّی الله عليه وسلّم، وأقصد بذلك أبناء الامام عليّ عليه السلام، يذهب فيها نفس المسلك من هجاء العباسيين وسلطتهم الزمنية التي يعمل القتل في ذريّة النّبيّ في وقت يتظاهر الخلفاء العباسيون بالتّقوی، وفيها يعلن الشاعر عن سخطه ويصوغ غضبه ويعرب عن سخريته علی النحو التالي:

شاءٌ مِنْ النّاسِ راتِعٌ هامِلْ

 

يُعَلِّلُونَ النُّفُوسَ بِالباطلْ

تُقْتَلُ ذُرّيَّةُ النَّبيِّ وَ يَرْ

 

جُونَ جِنانَ الخُلُودِ للقاتِلْ

ألا مَساعيرَ يَغْضَبُونَ لَها

 

بِسَلَّةِ البِيضِ وَالقَنا الذَّابِلْ[8]

                                                                                          (النمري 121)

ولمّا سمع هارون الرشيد هذه الأبيات "غضب غضباً شديداً وقال للفضل بن الربيع ]وزيره[ أحضره الساعة، فبعث الفضل رجاله في ذلك، فوجدوه قد توفي. فأمر بنبش قبره ليحرقه، فلم يزل الفضل يلطف له حتّی كفّ عنه" (أبوالفرج الأصفهاني الأغاني 143:8) هذه الرواية تدلّ علی أنّ الشاعر قد وفق فكريّاً وفنّيّاً في هجائه السياسي إلی حدٍّ يثور الخليفة عليه ويأمر بقتله ونبش قبره وإحراقه. ونری شعراء آخرين لم يبلغوا فنّيّاً ونضجاً إلی درجة رفيعة في هجوهم السياسي، بل وقفوا عند مواقف ضيّقة كانوا يأتون بها من حين إلی آخر وهذا ما نراه عند منصور بن سلمة بن الزبرقان الذي ترك الصراحة ولجأ إلی التعريض من بعيد، وأنشد قصيدةً سبّبت امتعاض الرشيد فأمر بقتله (انظر: المرزباني 86). 

وكثيراً ما ذكرت المصادر التاريخية والأدبية أشعاراً هجائية لبعض الشعراء في هذا العصر، إلّا أنّها لم تذكر اسم أصحابها ونظنّ أنّهم كانوا من الشيعة أخفوا اسماءهم خوفاً من السلطة العباسية.كان من بينهم رجلٌ أعمى من أهل بغداد يدعى علي بن أبي طالب (انظر: المسعودي مروج الذهب 433:3) وقد اندفع بحدّة وجرأة ونقل ما يجري في السلطة العباسية من صراعٍ وفوضى، فأشار إلى ظلم الحاشية للرعية، وكشف عن المؤامرات التي تدور بين الأمراء والوزراء بعضهم ضد بعضهم، وفي لفتةٍ ساخرة من الشاعر أدخل حَلاّق الوزير إلى إطار الحكم، وأشركه في الصّراع الذي يدور، وانتقد مبايعة الأمين لطفله الصغير قبل أن يفهم شيئاً عن الحياة، يقول:

أضَاعَ الخِلافَةَ غِشُّ الوَزيرِ

 

وَفِسْقُ الأميرِ وجَهْلُ المُشيرِ

لِواطُ الخَليفَةِ أُعْجُوبَةٌ

 

وأعْجَبُ مِنْهُ حَلّاقُ الوَزيرِ

فَهذا يَدُوسُ وَهذا يُدَاسُ

 

كذَاك لَعَمْري خِلافُ الأمُورِ

وَأعْجَبُ مِنْ ذَا وذَا أنَّنا

 

نُبايِعُ لِلطّفلِ فِينا الرَّضيعِ

وَمَنْ ليسَ يُحْسِنُ غسْلَ اسْتُهِ

 

وَلم يَخلُ مِنْ بولِهِ حِجْرُ ظِيرِ[9]

وَما ذاك إلّا بِفَضْلٍ وَبَكرٍ

 

يُريدانِ طَمْسَ الكتابِ المُنيرِ

وما ذانِ لولا انقْلابُ الزَّما

 

نِ فِي العيرِ هذانِ أوْ في النَّفيرِ[10]

                                                                                              (الطبري 7:7)

وعلی هذا الأساس وصف نكلسون نظام الحكم العباسي بأنّه نظام استبدادي كان مألوفاً عند الفرس منذ أيّام داريوش، وأنّ العباسيين حكموا البلاد حكماً مطلقاً علی النحو الذي كان يحكم به ملوك آل ساسان قبلهم (نيكلسون 256).

والملاحظة الهامّة هی أنّ اولئك الشعراء الذين أتينا بمقطوعات من شعرهم كانوا يمثّلون دوراً ضئيلاً في الهجاء السياسي، بينما كان والسيد الحميري، ودعبل الخزاعی، وديك الجنّ يمثّلون الجبهة الرئيسة في هذا الغرض، وهذا ما سنعرض له في هذا الباب والفصول التالية.



[1]ـ انظر نصوص هذه الرسائل في تاريخ الطبري 195:6.

[2] ـ داءٌ دويّ: داءٌ شديد.

[3] ـ أحماء: حما المرأة أبو زوجها ومن كان من قِبَله من الرجال. وحما الرجل: أبو امرأته ومن كان من قِبَله من الرجال.

[4] ـ هدَّ البناء ـُ هدّاً وهدوداً: هدمه بشدّة صوت.

[5] ـ الزّق: وعاء من جلد يجز شعرُه ولا يُنتَف للشراب وغيره.

[6] ـ  التخمة: داء يصيب الإنسان من أكل الطعام الوخيم، أو من امتلاء المعدة. قرقرة: الهدير.

[7] ـ مصالت: من أصلت السيف: جرّده من غمده. ظبا: مفرده الظبّة: حدّ السيف والسنان والخنجر. الصوارم: مفرده الصارم وهو قاطع. الذبل: مفرده الذابل أی الدقيق.

[8] ـ مساعير: مفرده المسعار، ما تُحَرَّك به النّار من حديد أو خشب. سلّة البيض: استلال السيوف. القنا: الرمح. الذابل: دقيق.

[9]ـ حجر ظير: أراد حجر المرضعة، لأن الظؤورة تعني المرضعة (انظر: لسان العرب مادة ظأر) .

2ـ العِير: ما جُلِبَ عليه الطّعام من قوافل الإبل والبغال والحمير. وفي المثل: فلان لا في العير ولا في النفير: يضرَب للرجل الصّغير القدر المستهان به.

رسائل عربية فصحى جديدة رومانسية غرام 2010


يا سيدتي:
لا أتذكَر إلا صوتك..
حين تدق نواقيس الأعياد!
لاأتذكر إلا عطرك..
حين أنام على ورق الأعشاب !


أنت امرأة لا تتكرر.. في تاريخ الورد..
وفي تاريخ الشعر..
وفي ذاكرة الزنبق و الريحان..!

(نزار قباني)


رسائل عربية فصحى جديدة رومانسية غرام 2010


دائما أنتي في المنتصف !!
أنتي بيني وبين كتابي..
بيني وبين فراشي..
وبيني وبين هدوئي..
وبيني وبين الكلام !!
ذكرياتك سجني وصوتك يجلدني
وأنا بين الشوارع وحدي
وبين المصابيح وحدي!
أتصبب بالحزن بين قميصي وجلدي!!
ودمي: قطرة - بين عينيك - ليست تجف!
فامنحيني السلام!
امنحيني السلام!




رسائل عربية فصحى جديدة رومانسية غرام 2010

بحّت أحشائي
و أنا أصرخ بك :
أيها الناعم كملمس أفعى
الحار كنسيم الجحيم…
المثير كأعماق البحار…
لا تخلعني, فأنا جلدك !!

“أيها البعيد كمنارة ..
أيها القريب كوشم في صدري ..
أيها البعيد كذكرى الطفولة ..
أيها القريب كأنفاسي وأفكاري ..
أحبك .. أ ح ب ك ..! ”


(غادة السمّان)


رسائل عربية فصحى جديدة رومانسية غرام 2010


ولو خيرت في وطن
لقلت هواك أوطاني
ولو أنساك ياعمري
حنايا القلب .. تنساني
اذا ماضعت في درب..
ففي عينيك عنواني !


(فاروق جويدة)

السخرية جزء من الأدب الفکاهي، ويصنّفها بعض الدارسين في مرتبة بعد الاحتقار والاستصغار والاستهزاء (محمد مفتاح 257). وتعلق بلفظ السخرية ألفاظ عديدة تختلف کثيراً أو قليلاً عنها في المدلول، إذ أنّ الدافع والنتيجة هما اللذان يحدّدان الذي ينطوي في نهايته تحت جناح  الأدب الفکاهي، فهناک الفکاهة والتهکّم والهجاء والمزاح والهزل والمفارقة وغيرها.

يلاحظ الانسان من بين هذه الألفاظ المتعددة أنّ هناک تقارباً علی درجة ما بين اثنين من المصطلحات الأدبية السابقة وهما: السخرية والهجاء. إذ غالباً ما تختلط عناصر هذين الفنّين في مقطوعة أدبية. فالعلاقي بينهما متبادلة ، وعلی الرغم من ذلک فإنّ لکلّ منهما تعريفه الخاص وملامحه التي تميّزه عن غيره وتجعله مستقلاً أحياناً.

يعود أصل کلمة السخرية إلی الفعل الثلاثي المکسور العين (سَخِرَ). وهو فعل لازم يتعدی إلی مفعوله بحرف الباء أو من، فيقال: " سخر به ومنه، هَزِئ، وسَخَرَه سِخريّاً، کلّفه ما لا يطيق وقهرهف وسخّره تسخيراً: ذلّله، وسخرتُ به ومنه بمقام ضحکت به وضحکت منه، والإسم من الفعل هو السخرية والسُّخريّ" (ابن منظور مادة سخر).

تتصل السخرية بالأدب اتّصالاً وثيقاً حتّی نظر بعض الباحثين إليها علی أنّها "فنّ أدبي لا يتقن قياده إلّا کلّ ذي مهارة لما يحتاج من ذکاء وخفّة ومکر، بل إنّ في اعتماد السخرية علی الذهن والعقل يجعلها تتبوّأ مکانة رفيعة بين الآداب، فکلّ فکاهي لابدّ له من معيار ذهني يصدر عنه فيما يکتب من شعر ونثر" (شرف 22).

ويحتاج من يعالج السخرية إلی قدرات إضافية في الموهبة، فزيادة علی إتقان المرء للکتابة الأدبية بشکل عام فإنّ للأدب الساخر مقومات تضاف إلی جملة المقومات الأساسية ممّا يجعل الفنّ الساخر من أعسر الفنون الأدبية (انظر: ابراهيم 180).

ويحتلّ الساخر في المجتمع موقع القوّة والتحکّم، إذ أنّه يقف لأخطاء المجتمع يترصدها ويحاکمها، فهو " شخص عميق الإدراک بطبائع النفوس وحقائق الوجود والکون...محبّ للإنسانية يمنحها کلّ اهتمامه"(المعاملي 13).

والموضوعات الاجتماعية هی أکثر الموضوعات التي يهتم بها الأدب الساخر، ولکنّ السخرية قد دخلت إلی ميدان السياسة بقوّةٍ، وکانت سيفاً ناقداً للحکّام وسياستهم تجاه الشعوب فباستطاعة السخرية " جذب الانتباه نحو الظواهر البارزة في نظم الحکم، وأخلاق بعض الساسة وانحرافاتهم، وتستطيع أن تکون رأياً عاماً أو تحرّک الرأی العام نحو هدف معيّن" ( الهوال 67). ومع تقدّم الحياة وتطوّر أساليب الإنسان في مواجهة ما يعترضه من عقبات جعلت من استخدام السخرية عاملاً قويّاً في الدفاع عن نفسه بدلاً من اللجوء إلی الأساليب الوحشية "إذ بالإنسان المتحضر يجد في الضحک ومشتقاته سلاحاً ماضياً بتّاراً فيستخدمها للدفاع عن نفسه أو للاعتداء علی غيره" (عطيّة 178).

وفي الأدب الساخر طاقة استنهاض وتحريض إذ أنّه يحمل بذور الثورة ويزرعها في النفوس، فلذلک نجد أنّ " أعدی أعداء الفکاهة إنّما هی السلطة الغاشمة التي تفرض علی النّاس روح التعسّف والاستبداد" (ابراهيم 199).

يتشابک مفهوما السخرية والهجاء وتتداخل العناصر المکوّنة لکلّ منهما، ويصعب أحياناً التمييز بينهما، فالهجاء وهو "شکل من أشکال التنازع الاجتماعي" (شرف 70) قد استخدم السخرية وأدواتها في التعبير. يتفق أحياناً المغزی العامّ من السخرية والهجاء "فهدف الهجاء الحقّ هو تقويم العيوب والإصلاح" (بولارد 291). وهذا لاينفي عن الهجاء مهمته التي عرف بها، وهی التشهير والانتقاص من الخصم. ويجد المتصفح لشعر الهجاء العربي شيئاً من هذا القبيل خاصّةً شعراء النقائض الذين وصلت أشعارهم إلی ذروة الهجاء المقذع.

وقد يؤدّی الهجاء في حالات معيّنة الوظيفة التي تؤدّيها السخرية، فکلّ منهما يسعی إلی الموازنة "بين واقع الأشياء وبين ما يجب أن تکون عليه" (المصدر نفسه 292) وعندما يکون الهجاء غير شخصی ويبتعد عن الطعن في شخصيّة معيّنة ويستخدم النماذج البشرية الرکيکة لمحاربة الأخلاق الشاذة يلتقي هنا الهجاء مع السخرية بوصفها " أداة لتأنيب الخارجين علی المجتمع حين يستهينون بتقاليده أو يستخفون بمعاييره" (شرف 34).

وعلی الرغم من وجود مشابهات کثيرة بين الهجاء والسخرية تبقی الفروق قائمة بينهما، فالهجاء هو أدب الغضب المباشر والثورة المکشوفة علی حين أنّ السخرية أدب الضحک القاتل والهزء المبنی علی شئ من الالتواء والغموض. وتختلف نظرة الساخر إلی الموضوع عن نظرة الهجّاء حيث أنّ " الساخر يستملي عقله، أمّا الهجّاء فإنّه يفعل ذلک جادّاً" (المعاملي 10) وتظهر عليه علامات الغضب والانفعال. أمّا الساخر يداريها خلف ضحکة تخفي وراءها مدلولات عميقة شتی.

می زيادة

می زیاده سال 1886 در مصر متولد شده و در 19 اکتبر 1941 وفات یافت. صحبت از جنبش زنان در خاورمیانه همواره یادآور نام این ادیب مصری است که حیاتی پربار داشته وآثار فراوانی تقدیم ادبیات عرب کرده است. ماری نام اصلی اوست وپدرش اهل کسروان لبنان بود. مدتی در شهر الناصره فلسطین اقامت گزید ودر همانجا می به دنیا آمد. او در یکی از مدارس ابتدایی الناصره به تحصیل پرداخت. خانواده می سپس به مصر منتقل شد. ودر آنجا در دانشکده ادبیات ادامه تحصیل داده وزبانهای فرانسه وانگلیسی و ایطالیایی وآلمانی را آموخت. او از بین این همه زبان فرانسه را به خوبی یاد گرفت وبا آن اشعار زیبایی نیز دارد. ماری در روزنامه ها ومجلات مختلفی می نوشت از جمله "المحروسه ـ الزهور ـ الرساله".او مقالاتش را با نام مستعار می چاپ می کرد، تا اینکه به همین نام نیز مشهور گشت.  مهمترین آثار او عبارتند از: باحثة البادية ـ سوانح فتاة ـ الصحائف. می یک غرفه ادبی داشت که در آن روزهای سه شنبه هر هفته با علاقمندان و ادبا وشخصیت های بزرگ مصردیدار می کرد. تعدادی از ادبای مصر عاشق این بانوی ادیب شده بودند از جمله: مصطفی صادق الرافعی، عباس محمود العقاد، منصور فهمی، اسماعیل صبری پاشا که بیتی هم در این مورد دارد:

إن لم أمتع بمی ناظري غداً                       أنکرتُ صُبحَکَ يا يومَ الثلاثاء

اگر فردا چشمانم از دیدن می محروم شود، ای روز سه شنبه! صبح تو را انکار خواهم کرد.

می زیاده مکاتبات ومراسلاتی با جبران خلیل جبران نیز داشته، و این امر رنگ و بوی عاشقانه شدیدی نیز به خود گرفت. هر چند این دو ملاقاتی با هم نداشتند. باوجود این به نظر می رسد جبران تنها کسی بود که می عاشقش شده بود...آنطوری که از نامه هایش پیداست.البته این عشق، عشق پاک وعفیفی بود.می با وجود عشاق زیادش ازدواج نکرد...وقتی پدر ومادرش فوت کردند می احساس تنهایی شدیدی کرد کنج عزلت گزید دست از نوشتن برداشت تا اینکه در سن 55 سالگی در قاهره درگذشت. 

جلسه دفاع از رساله دکتری اینجانب با عنوان " دراسة الهجاء السياسي في شعر شعراء الشيعة في العصر العباسي الأول دعبل الخزاعي، السيد الحميري، ديک الجنّ صبح امروز دوشنبه ۱۳/۰۶/۹۱ در سالن اجتماعات ساختمان شهید بهشتی دانشگاه اصفهان وبا حضور اساتید زیر برگزار و با درجه عالی مورد قبول واقع شد:

۱ـ دکتر عبدالغنی ایروانی زاده (استاد راهنما)

۲ـ دکتر نصراله شاملي (استاد مشاور)

۳ـ دکتر محمد علی آذرشب (استاد داور از دانشگاه تهران)

۴ـ دکتر محمد خاقانی (استاد داور از دانشگاه اصفهان)

۵ـ دکتر منصوره زرکوب (استاد داور از دانشگاه اصفهان)

از همه اساتید بزرگوار ودوستان ودانشجویان عزیز که در جلسه دفاعیه حضور بهم رساندند تقدیر وتشکر می کنم.امید دارم در سایه الطاف بی بدیل الهی موفق وموید باشند.

با سلام خدمت دوستان وخوانندگان عزیز

نظر به اینکه روز دوشنبه ۱۳ شهریور جلسه دفاع از رساله دکتری اینجانب در دانشگاه اصفهان برگزار خواهد شد احتمالا تا تاریخ مذکور امکان به روز رسانی وبلاگ وجود نخواهد داشت.إن شاء الله بعد از تاریخ فوق در خدمت دوستان خواهیم بود.

 

استفاده از رمز واسطوره، از بارزترین مسائل فنی در شعر معاصر است که توجه انسان را به خود معطوف می کند. این امر چندان عجیب نخواهد بود اگر بدانیم که بین شعراء ورموز واساطیر رابطه ای قدیمی وجود دارد. تأمل در ماهیت رموز واساطیر ونحوه ی استفاده از آن در شعر معاصر ما را فرا می خواند تا نگاهی اجمالی به این مسأله ونقد وارزیابی آن داشته باشیم.

طبیعت رمز، طبیعت غنی و برانگیزاننده ای است که در علوم مختلفی از جمله ادیان، روان شناسی، جامعه شناسی، انسان شناسی وزبان شناسی مورد بحث قرار می گیرد. البته ما در اینجا قصد نداریم از جنبه تاریخی وروانی به این مسأله نگاه کنیم بلکه هدف ما شناخت طبیعت وماهیت کاربرد ادبی رمز واسطوره است.

سؤالی که مطرح میشود این است که: آیا رمز در شعر، با طبیعت رمز در زمینه های دیگر همچون رمز دینی (صوفی) ورمز علمی (ریاضی) ورمز زبانی محض تفاوت دارد؟

انسان از دیرباز به زندگی وخلود، رغبت دائمی داشته وهمه تلاشها وماجراجویی هایش در راستای تحقق این أمر بوده است. ماجراجویی های انسان در اشکال مختلفی متجلی گشته است، گاهی در مسأله وجود وگاهی در جستجوی خداوند و گاهی در شناخت نفس. اگر ما این تلاشها را در یک چارچوبی کلّی تلقّی کنیم این امکان وجود خواهد داشت تا آن را در رابطه انسان با هستی وخداوند، ورابطه انسان با خود مجسّم کنیم. از خلال این روابط کلّی، دیدگاههای جزئی تری بروز می کند: نگاه به مرگ وزندگی، نگاه به عشق ونفرت، فنا وجاودانگی، شجاعت وترس، حاصلخیزی و خشکسالی، موفقیت وشکست، عدالت وستم، غم وشادی. این معانی ومفاهیم از دیر باز در ضمیر انسان بوده است، از زمانی که تجربه انسانیت در عقائد دینی ومذهبی متبلور گشته است. رمز وسمبل از آغاز با این معانی در ارتباط بوده، واز این مجری با دین وعقیده نیز پیوند خورده است.

شاعر معاصر در کاربرد رمز به خردگرایی دینی نیندیشیده است، واین واقعیت زمانی بروز می کند که بدانیم بین تجربه شعری وتجربه دینی (صوفی) تفاوتی وجود دارد. درست است که شاعر وصوفی هر دو تفکر واندیشه می کنند وهردو به دنبال کشف حقائق هستند، وچه بسا صوفی در مراحل اولیه سیر وسلوک به بیان مکاشفه می پردازد وهر اندازه در این راه ممارست نشان می دهد این امر برایش سخت میگردد. ولی شاعر به محض اینکه می بیند به ابراز دیدگاه خود می پردازد، یعنی دیدگاه شاعر ابزار وی برای بیان است، هر چند به دیدگاه خود عمق بخشیده باشد. تفاوت دیگر شاعر وصوفی این است که موضوع تأمل هر لحظه پیش چشم شاعر حاضر است. این در حالی است که موضوع تأمل در تجربه صوفیانه پنهان است.با اینکه گاهاً بعضی از شعرا تجارب شبه صوفیانه هم پیدا می کنند ولی این با تجربه صوفیانه صرف متفاوت است، در این که موضوع تفکر وتأمل همواره معین ومشخص می باشد. از اینجاست که رمز شعری از یک موضوع معینی نشأت می گیرد.

رمز علمی ابزاری است که انسان بعدها آن را کشف کرده وبرای اشارات مختصر به کاربرده است. طبیعت رمز علمی طوری است که به یک موضوعی اشاره می کند بدون اینکه ارتباطی با آن داشته باشد. رمز علمی زاییده یک فرایند ذهنی انتزاعی است، ولی رمز شعری نه انتزاعی است ونه ذهنی.

رمز زبانی رمز اصطلاحی است که در آن کلمه به موضوعی اشاره مستقیمی می کند. مثلا کلمه " در" به چیزی اشاره می کند که ما برای اشاره به آن چنین کلمه ای را وضع کرده ایم، بدون اینکه رابطه زنده ای بین رمز و مرموز إلیه وجود داشته باشد.

وقتی شاعر کلماتی همچون" دریا و باد و ماه و ستاره و..." را در اشعارش به کار می برد، در واقع از کلماتی استفاده کرده است که دارای دلالت رمزی هستند، وچه بسا برخی از این دلالات بین بیشتر انسان ها مشترک باشد.باید به این نکته توجه کرد که کاربرد این الفاظ توسط شاعر تأثیر شعری چندانی نخواهد داشت مادامی که وی روابط وبه تعبیری ابعاد قدیمی این رموز را درک نکرده باشد. رمز شعری با تجربه شعوری واحساسی شاعر ارتباط تامّی دارد، واینجاست که هیچ چیز مهمتر از چیز دیگر نیست مگر نسبت به نفس که در بوته تجربه قرار دارد، واینجاست که اهمیت وارزش اشیاء متفاوت می شود. علت این است که تجربه به اشیاء ارزش واهمیت خاصی میدهد. در کاربرد زبانی شعر هیچ واژه ای شایسته تر از دیگری برای رمز شدن نیست بلکه این شاعر است که روابط بین اشیاء را کشف می کند.و بر این اساس شاعر این حق وامکان را پیدا می کند تا هر موضوع وحادثه ای را به صورت رمزی وسمبولیک به کار ببرد گرچه قبلاً به صورت سمبولیک به کار برده نشده باشد.این امکان برای شاعر در قبال شخصیتهای اسطوره ای نیز وجود دارد تا آنها را به همان شیوه گذشته رمز قدیمی به کار بگیرد.شاعر همچنین لباس اسطوره را بر تن برخی شخصیت های معاصر نیز می پوشاند که هرگز وارد دنیای اسطوره نشده اند.

در بررسی رمز شعری باید به دو نکته توجه کنیم: مسأله تجربه شعوری خاص و سیاق خاص.تجربه شعوری به خاطر خصوصیتی که در هر تجربه شعری دارد به دنبال رمز قدیم است تا در آن ظرفی را بیابد و عاطفه و اندیشه احساسی خود را در آن خالی نماید.این زمانی است که رمز به کار رفته قدیمی باشد، و این است که بر الفاظ رنگ وبوی سمبولیک میدهد تا تمرکز شاعر بر روی بار عاطفی و احساسی باشد و این امر هم زمانی اتفاق می افتد که رمز به کار رفته نو باشد.

رموزی که شاعر آنها را در شعرش به کار میبرد هر اندازه هم قدمت تاریخی داشته باشند باید با زمان حاضر ارتباط داشته باشد، و قدرت بیانی آن هم باید ناشی از ارتباطش با حال حاضر باشد.

شاعر معاصر وقتی از رمز استفاده می کند باید سیاق خاص این امر را فراهم نماید، زیرا کاربرد رمز بدون استفاده از سیاق خاص در واقع نوعی رمز ریاضی یا رمز زبانی خواهد بود.در مورد رموز قدیمی هم مسأله به همین منوال است وشاعر باید برای حیات بخشیدن به آنها زمینه را برای این امر فراهم نماید.

          

دیروز سی وپنجمین سالگرد درگذشت دکتر شریعتی بود، انسانی که شیفته اسلام بود ومعرّف اسلام راستین. وچه تهمت های زیبایی به وی زدند: مرتجع وکهنه پرست. اما او به قول خودش کهنه ترین کهنه ها و نوترین نوها را می شناخت. جملات منتخبی از ایشان را تقدیم خوانندگان می کنم:

۱- اگر موفق باشی دوستان دروغین ودشمنان حقیقی خواهی یافت، ولی موفق باش.

۲- برایت دعا می کنم که: ای کاش خدا از تو بگیرد هر آنچه را که خدا را از تو می گیرد.

۳- وقتی خواستم زندگی کنم راهم را بستند.وقتی خواستم ستایش کنم گفتند خرافات است.وقتی خواستم عاشق شوم گفتند دروغ است.وقتی خواستم گریه کنم گفتند دروغ است.وقتی خواستم بخندم گفتند دیوانه است.دنیا را نگه دارید می خواهم پیاده شوم.

۴- اگر قادر نیستی خود را بالا ببری همانند سیب باش تا با افتادنت اندیشه ای را بالا ببری.

۵- همه بشرند، اما فقط بعضی ها انسانند.

۶- کسانی که معنی دوست داشتن، عشق وایثار وخلوص را خوب می فهمند، خدا را به آسانی می فهمند.

۷- خدایا آتش مقدس شک را آنچنان در من بیفروز تا همه یقین هایی را که در من نقش کرده اند بسوزاند. 

عباس محمود العقاد

(1989 – 1964)

ولد عباس محمود العقاد في 28 حزيران 1889م، في مدينة أسوان بصعيد مصر، وكان أبوه يعمل موظفاً بسيطاً في إدارة المحفوظات، ولكنه استطاع مع ذلك أن يدبِّر شؤون أسرته لما عُرف به من التدبير والنظام.

نشأ الطفل عباس وعقله أكبر من سنه، فعندما لمس حنان أبويه وعطفهما عليه قدّر لهما هذا الشعور وظل طوال عمره يكنّ لهما أعمق الحبّ.

وبادر أبوه - وعباس بعد طفل صغير- فتعهده حتى تعلم مبادئ القراءة والكتابة فراح يتصفح ما يقع تحت يديه من الصحف والمجلات ويستفيد منها. ثم لحق بإحدى المدارس الابتدائية وتعلّم فيها اللغة العربية والحساب ومشاهد الطبيعة وأجاد الإملاء، وحصل على شهادتها سنة 1903 .

وحدث أن زار المدرسة الإمام الشيخ محمد عبده وعرض عليه مدرس اللغة العربية الشيخ فخر الدين كراسة التلميذ عباس العقاد، فتصفحها باسماً وناقش العقاد في موضوعاتها ثم التفت إلى المدرِّس وقال: " ما أجدر هـذا الفتى أن يكون كاتباً بعد! ".

وألمّ عباس بقدر غير قليل من مبادئ اللغة الإنجليزية حتى نال الشهادة الابتدائية بتفوق وأتاح له ذلك قراءة الأدب الإنجليزي مباشرة. وقال حينئذ عن نفسه: " عرفت قبل أن أبلغ العاشرة أني أجيد الكتابة وأرغب فيها، ولم ينقطع عني هذا الشعور بعد ذلك إلى أن عملت بها واتخذتها عملاً دائماً مدى الحياة

وبعد أن أتم عباس تعليمه الابتدائي عمل في وظيفة كتابية لم يلبث أن تركها، وتكررت زياراته للقاهرة وقويت صلته بالأدب والفن فيها ولم تستطع الوظيفة أن تشغله عنهما البتة وأصبحت علاقته بالصحف- على حد قوله- علاقة الكتابة من منازلهم. ولكنه أحس- بعد فترة- أن الوظيفة أضيق من أن تتسع لطاقاته فتركها وتفرغ لعمله في الصحافة، وأقبل على تثقيف نفسه بنفسه ثقافة واسعة.

وفي سنة 1905 عمل بالقسم المالي بمدينة قنا، وبدأ العقاد إنتاجه الشعري مبكراً قبل الحرب العالمية الأولى سنة 1914. وفي سنة 1906 عمل بمصلحة البرق، ثم ترك عمله بها واشترك سنة 1907 مع المؤرخ محمد فريد وجدي في تحرير " مجلة البيان"، ثم في " مجلة عكاظ " في الفترة بين سنة 1912 حتى سنة 1914، وفي سنة 1916 ا شترك مع صديقه إبراهيم عبد القادر المازني بالتدريس في المدرسة الإعدادية الثانوية بميدان الظاهر. وظهرت الطبعة الأولى من ديوانه سنة 1916، ونشرت أشعاره في شتى الصحف والمجلات. وتوالى صدور دواوين شعره: وحي الأربعين- هدية الكروان- عابر سبيل، وقد اتخذ فيها من البيئة المصرية ومشاهد الحياة اليومية مصادر إلهام. وخاض هو والمازني معارك شديدة ضد أنصار القديم في كتابهما " الديوان " هاجما فيه شوقي هجوماً شديداً. وفى إنتاجه النثري كتب: الفصول- مطالعات في الكتب والحياة- مراجعات في الأدب والفنون.

ثم كتب سلسلة سير لأعلام الإسلام: عبقرية محمد- عبقرية الصديق- عبقرية عمر- سيرة سعد زغلول، كما اتجه إلى الفلسفة والدين فكتب: الله- الفلسفة القرآنية- إبليس.

توفي العقاد في الثاني عشر من آذار سنة 1964م بعد أن ترك تراثاً كبيراً.

ومن مؤلفاته ديوان العقاد- العبقريات- الشيوعية والإنسانية- أبو نواس- جحا الضاحك المضحك. ونشر له بعد وفاته: حياة قلم- أنا (ترجمة ذاتية له)- رجال عرفتهم.

.

زندگی برخلاف آنکه مکبث می گوید صرفا قصه ای که توسط یک احمق گفته میشود، سرشار از خشم وهیاهو، بی آنکه معنایی بدهد، نیست. زندگی اندیشه ای طولانی است أما نمی دانم چرا نمی خواهند در این اندیشه با دیگران شریک شوند.دیگران زندگی را به سویی می کشند ومن به سویی دیگر، وهیچ کدام دیر زمانی این نبرد ذهنی را تحمل نمی کنیم. ماری، یکی از چیزهای بسیاری که بر ما رخ داد، این بود که ما اندیشه زندگی را به یک سویی می کشیدیم، واز انزوای همراه این عمل نمی ترسیدیم.

اکنون باید اینجا را ترک کنم وبه استقبال خورشید بروم.دفتر یادداشتم بر می دارم تا برای تو بنویسم، هنگامی که چنین می کنم همواره موفق می شوم به انگاره هایم نظم بخشم.

از اواسط دهه ۲۰ قرن گذشته لبنانی ها ثمره تماس زود هنگام با دنیای غرب را چیدند.تجربه شعری پیچیده نزد أدیب مظهر معلوف قبل ار تجارب شعری تکامل یافته یوسف غضوب ادبیات جهان عرب را با قصائد سمبولیک منحصر به فردی تکان داد.او کار نوشتن را با قصائد کلاسیک آغاز کرد، سپس با پیر سامان و بودلیر فرانسوی آشنا شد.وی به سرعت تجارب شعری ایندو را آموخت.از علل عمده این کار می توان به استعداد بزرگ این شاعر و شعرای لبنان در سوق دادن شعر به سمت و سوی تعقید ، وبیداری ووقوف بیش از حدّ وی به مسائل پیرامون را نام برد.

او با یک نگاه اجمالی توانست به وضعیت انسان در روی زمین پی برد، واین امر تا قبل از او شناخته شده نبود.او به این اکتفا نکرد که از تجارب ذاتی خود بنویسد بلکه توانست آن را به طور کلی با تجربه انسانی پیوند دهد.

به عنوان مثال او به مرگ به عنوان امری مورد رغبت نگاه می کرد و این کار را به شیوه جالبی انجام می داد.مرگ به اعتقاد او مرگ موجود نیست که شعر کلاسیک با حزن واندوه و حکمت به آن پرداخته است، بلکه مرگ یک تجربه وحشتناکی است که شاعر با شوقی سیر نشدنی آن را کشف می کند:

فيا شبح الموت أطفئ غدی           بمخلبک الناعم الأسود  

البته پیشتر از او أبوالقاسم شابی این تجربه را در شعر خود ارائه کرده بود، ولی شعر مظهر با شعر رومانتیک هم از جنبه دیدگاه و هم از جنبه پرداخت متفاوت است. چرا که عبارت شعری به دست وی به یک غموض وتوجه بزرگ دست یافته است:

فإنّ تجواب عزیف المنون                    حلوٌ کمرّ النَسَمِ الأسود  

مظهر همچنین با شعرای سمبولیک قبل از خود همچون سعید عقل نیز متفاوت است که در قرن ۱۹ به سبک سمبولیست های فرانسه شعر می گفتند واقعیت این است که او در شعرش گاهی در برخورد با مرگ شیوه صوفیانه ای در پیش گرفته است.

سئمتکَ یا نفس هلا غفوت              قلیلاً مع العدم الراقد

لقد صهرتک اللیالی فمن لی              بمهد الثری الرطب البارد

دیشب داشتم کتاب "پدر ودختر"نوشته هری اچ هریسون جی آر را می خواندم.کتاب مفیدی است محتوی نکاتی زیبا وراهگشا.جملات منتخبی را تقدیم خوانندگان عزیز می کنم.

۱-عکسی از خودت را به او بده تا در اولین کیفش بگذارد.اگر برایش پدر خوبی باشی،همیشه عکست را در کیفش خواهد گذاشت.

۲-هرگز به رؤیاهایش نخند.

۳-به او یادآوری کن اعتماد میان دختر وپدر مقدس است.

۴-به او اطمینان بده که بسیار جذاب ودوست داشتنی است اما ویژگی ساختگی دیگری به او نسبت نده.

۵-به او اجازه بده اشتباه کند.

۶-درک کن تو نمی توانی برای او همه چیز باشی.

۷- او را تشویق کن از موفقیتهای دیگران خوشحال شود.

۸- به او بگو او همان دختری است که همیشه آرزوی داشتنش را داشتی. 

أحمد مطر از شعرای بنام سیاسی در جهان عرب است که از نقد حاکمان عرب ابایی نداشته است.وی زبان تندی در دفاع از آرمان ملت های اسلامی عربی داشته است.قصیده زیر از دیوان وی انتخاب شده است.

 

منفيون(تبعيد شدگان)


لمن نشكو مآسينا؟(بدبختی هايمان را به کی بگوييم)

ومن يصغي لشكوانا، ويجدينا ؟(کی به حرفمان گوش می سپارد و کمکمان می کند)

أنشكو موتنا ذلا لوالينا ؟(آيا از روی خواری شکوه از مرگ خويشتن نزد حاکمان خود ببريم)

وهل موت ســيحـيـيـنا ؟(آيا مرگ ما را حياتی دوباره خواهد بخشيد)

قطيع نحن والجزار راعينا.(ما بسان گله ای هستيم که قصاب چوپان ماست)

ومنفيون نمشي في أراضينا.(ما در سرزمين خودمان تبعيد شدگانی بيش نيستيم)

ونحمل نعشنا قسرا بأيدينا. ونعرب عن تعازينا لنا فينا.(ما به زور آشيانه خويش را در دستانمان حمل ميکنيم).

فوالينا، أدام الله والينا،(حاکم ما، خدا پايدارش کناد).

رآنا أمة وسطا،(ما را أمت ميانه روی پنداشته)

فما أبقى لنا دنيا، ولا أبقى لنا دينا.(نه دينی برايمان گذاشته و نه دنيايي)

ولاة الأمر: ماخنتم، ولاهنتم، ولا أبديتم اللينا،(ای حاکمان:خيانت نکرديد،اهانت نکرديد، وملايمت نشان نداديد).

جزاكم ربنا خيرا، كفيتم أرضنا بلوى أعادينا،(خدا خيرتان دهاد.ما را از شرّ دشمنان نجات داديد)

وحققتم أمانينا،(وآرزوهايمان را برآورده کرديد)

وهذي القدس تشكركم، ففي تنديدكم حينا، وفي تهديدكم حينا (قدس شما را سپاس می گويد.گاهی در محکوم کردنتان و گاهی در تهديد کردنتان)

، سحبتم أنف أمريكا، فلم تنقل سفارتها(آمريکا را به خاک ذلت نشانديد.سفارتش را منتقل نکرد)

، ولو نقلت ــ معاذ الله لو نقلت ــ لضيعنا فلسطينا؛(اگر خدای ناکرده سفارتش را منتقل می کرد فلسطين را از دست می داديم)

ولاة الأمر هذا النصر يكفيكم، ويكفينا،(ای حاکمان:اين پيروزی برای شما وماکافی است)

.تهانينا(درود بر شما)

درسهای آموزنده یک مداد

پسرک پدربزرگش را تماشا کرد که نامه ای می نوشت .بالاخره پرسید

- ماجرای کارهای خودمان را می نویسید ؟ درباره ی من می نویسید ؟
پدربزرگش از نوشتن دست کشید و لبخند زنان به نوه اش گفت درسته درباره ی تو می نویسم اما مهم تر از نوشته هایم مدادی است که با آن می نویسم .می خواهم وقتی بزرگ شدی مانند این مداد شوی .
پسرک با تعجب به مداد نگاه کرد و چیز خاصی در آن ندید .
- اما این هم مثل بقیه مدادهایی است که دیده ام .
بستگی داره چطور به آن نگاه کنی . در این مداد ۵ خاصیت است که اگر به دستشان بیاوری ، تا آخر عمرت با آرامش زندگی می کنی .
پسرک پدربزرگش را تماشا کرد که نامه ای می نوشت .بالاخره پرسید : .

صفت اول :
می توانی کارهای بزرگ کنی اما نباید هرگز فراموش کنی که دستی وجود دارد که حرکت تو را هدایت می کند .اسم این دست خداست .او همیشه باید تو را در مسیر اراده اش حرکت دهد .


صفت دوم :
گاهی باید از آنچه می نویسی دست بکشی و از مداد تراش استفاده کنی . این باعث می شود مداد کمی رنج بکشد اما آخر کار ، نوکش تیزتر می شود .پس بدان که باید رنج هایی را تحمل کنی چرا که این رنج باعث می شود انسان بهتری شوی .

صفت سوم :

مداد همیشه اجازه می دهد برای پاک کردن یک اشتباه از پاک کن استفاده کنیم .بدان که تصحیح یک کار خطا ، کار بدی نیست . در واقع برای اینکه خودت را در مسیر درست نگهداری مهم است.

صفت چهارم :
چوب یا شکل خارجی مداد مهم نیست ، زغالی اهمیت دارد که داخل چوب است .پس همیشه مراقب درونت باش چه خبر است .

صفت پنجم:
همیشه اثری از خود به جا می گذارد .بدان هر کار در زندگی ات می کنی ردی به جا می گذارد و سعی کن نسبت به هر کاری می کنی هوشیار باشی و بدانی چه می کنی .

 بواعث الهجاء السياسي في العصر العباسي:

استفحل الهجاء السياسی عند شعراء الشيعة فی هذا العصر لأسباب عديدة أهمّها ما تأتی:

الأول:امّتدت مسألة الخلافة إلی هذا العصر و کثيراً ما کان الشعراء يتناولونها بالنقد والدراسة ووقفوا مواقف شتّی فيمن أحقّ بها، وکان قصب السّبق فی هذا المضمار لشعراء الشيعة وخاصّةً دعبلاً والسيد الحميری.

الثانی:کان التحضّر فی العصر العباسی الأول مقروناً بالإنحراف الإجتماعی حيث وصل الترف إلی ذروته ممّا أدّی إلی نشر الإنحراف فی ممارسة الفساد الجنسی والخمر واللّهو بعامّة حتّی تحوّل المجتمع العباسی إلی مسخٍ لا يعنی إلّا بالحاجات البهيمية .

الثالث:کان الإنحراف السياسی الذی تمحور فی يد طبقة لا تعنی إلّا بالسيطرة والتحکّم، واستخدام أدات القتل والإرهاب لتثبيت سلطتها عاملاً أساسياً من أسباب الهجاء السياسی.لدينا روايات مختلفة تدلّ علی أنّ الظلم والتنکيل والبغی کانت ظواهر منتشرة منذ مطلع العصر العباسی، فقد قال عمرو بن عبيد للمنصور بالبصرة:"إنّ من وراء بابک نيراناً تتأجّج من الجور، وما يعمل من وراء بابک بکتاب الله ولا بسنّة رسوله"(الدينوری384).

الرابع:کان عددٌ من الخلفاء والسلاطين والأمراء يمارسون الفساد جنسياً ولهوياً، ممّا نری أصداءه فی ميدان الأدب، ومن جانب آخر نری إزاء ذلک ردود فعلٍ من قبل أشخاص أسوياء تتحرّک القيم الإنسانية فی أعماقهم ممّا نتج علی ذلک نشأة الأدب السویّ الذی ينکر مظاهر الانحراف، فيهجو السلطة والانحرافات بعامّة ويشيد بمبادئه إسلامياً أو إنسانياً. وقد أخذ الشيعة وبعض الطوائف، على الدولة العباسية انغماس الولاة والامراء وقواد الجيش في حياة الملذات والمجون.

الخامس:تدخل الفرس فی العصر العباسی الأول وتدخّل الأتراک فی أخريات هذا العصر فی شؤون الدولة العباسية مما أدی إلی درجة کبيرة من الانحطاط و الفوضی ممّا سنری أصداءها فی شعر شعراء الشيعة.

السادس:ومن البواعث الرئيسة للهجاء السياسی ما يعود إلی الفساد الاقتصادی(انظر:عطوان9-17)الذی يتضح فی زيادة الخراج على العمال والفلاحين وجماهير الكادحين،والتجبّر والتعسف فی استيفائها،وإنفاق المبالغ الضخمة التی كانت تجبى منهم فی سبل لا تنفع الجميع.

السابع:ومنها ما يعود إلى التباين الطبقی، فقد كان المجتمع العباسی موزعاً بين ثلاث طبقات ، طبقة الخلفاء والوزراء والقادة، وهم الذين كان لهم السلطان المطلق فی التحكم برقاب الناس، والتصرف فی مصائرهم، والتهالك على تحقيق أكبر قسط ممكن من اللذة، والطبقة الوسطى، وأخيراً طبقة الفقراء المعدمين الذين كانوا يؤلفون أكثر الرعية، والذين كانوا يكدون للفوز بأقل القليل من ضرورات العيش.( انظر:المصدر نفسه18-26).

الثامن:ومنها ما يرجع إلى الخلل السياسی(المصدر نفسه27-33)إذ كانت الحال قلقة لهذا العصر،كما كان المجتمع يموج بالانتفاضات والثورات على الحكام المتسلطين المستبدين للإطاحة بهم، وإقامة حكومة صالحة تعدل بين الأمة، وتنصف الفقير والمظلوم، ولا تفرق بين الناس، وتعمل لمصلحتهم، مما كان له أثر فی تعطيل مرافق الحياة، وتعذر أسباب الرزق، وشيوع الفقر، وهذه المفاسد هی التی أفقرت جمهور العرب والمسلمين، وهی وإن اختلفت أنواعها، فقد كان مصدرها واحداً، وهو الحكم الجائر الظالم، كما كان انتشار الفقر، واتساع المفارقات بين الناس نتيجةً حتميةً لها.

جمال

شعراء الشيعة و هجاؤهم السياسی

هناك ملاحظة هامّة تلك هی إن الدراسات الأدبية التی تناولت الشعر الشيعی، تركزت على بيان جوانب مختلفة کالمدح و الرثاء و .... وما إلى ذلك من مواقف أدبية فيما أُغفل الجانب السياسی و النقدی الذی يتناول الخصوم و الأعداء.لا شکّ أنّ لشعراء الشيعة قصب السبق فی مضمار الشّعر علی مدی التاريخ الإسلامی إذ حازوا علی الرّيادة فی أکثر الفنون الشعرية، کما أنّهم فتحوا للشعر أبواباً جديدة لم تعرف قبلهم، لعلّ أهمّها الهجاء السياسی فقد کوّن شعراء الشيعة هذا الرکن الهامّ فی الأدب فی حين کان الأدب الرسمی مثل المديح فيه تطغی عليه الرغبات المادية و تصرفه عوامل الرجاء و الخوف و تلهب نفوس أصحابه الهبات و الهدايا.

إنّ الباحث فی أدب الشيعة يجد أنّ شعراءهم فی کلّ عصرٍ کانت لهم اليد الطولی فی مقارعة الظلم، فکانت قصائدهم أسنّة فی صدور الحکام الظالمين.يقول الدکتور طه عبدالحسيب حميدة و هو من شيوخ الأزهر فی کتابه أدب الشيعة:"إن الموقف الذی وقفته الدولة من الشيعة من شأنه أن يلهب العاطفة و يثير الوجدان و يخلق فنّاً جديداً من القول مسرحاً جديداً للخيال و قد تمثّل ذلک فی الأدب السياسی و العاطفی-و ظهر أول و أقوی ما ظهر- فی الأدب الشيعی أدب النّفس الثائرة و العاطفة الصادقة والحبّ المتأجج فی أدب العقيدة".(عبدالحسيب 345).

ولم يتعرض الشاعر الشيعی للسخط فی عصر الأمويين فحسب، بل فی عصر العباسيين أيضاً، لأن هذا الشعر قد اتجه إلى مقارعة الطواغيت، سواء كانوا من بنی أمية، أم من بنی هاشم من العباسيين،فالمتتبع فی شعر الشيعة يجد کثيراً من الشعراء قاموا بدور معارض ضدّ السلطة العباسية الزمنية،و اشترک عدد کبير من شعراءها فی هذا المجال، فاستطاعوا من إثراء الشعر الشيعی فی بعده السياسی ،وهذا ما يمكن رصده بسهولة من خلال الحشد الكبير من الأسماء اللامعة في عالم أدب الشيعة.و لعلّ أوّل شاعر شيعی لمع اسمه فی بداية هذا العصر کان سديف بن ميمون مولی الإمام السجاد و ذکره ابن شهر آشوب ضمن الشعراء المقتصدين فی أهل البيت و هو الذی حرّض بأشعاره السّفاح علی الانتقام من بنی أميّة(انظر:الأمين،السيّد محسن135)و قد ذکر صاحب الأغانی أنّ" أبا العباس ]السفاح[کان جالساً فی مجلسه بالحيرة علی سريره و بنو هاشم دونه علی الکراسیّ، و بنو أميّة علی الوسائد، قد ثُنِيت لهم، و کانوا فی أيّام دولتهم يجلسون هم و الخلفاء منهم علی السّرير و يجلس بنو هاشم علی الکراسیّ.فدخل الحاجب فقال:يا أمير المؤمنين بالباب رجل حجازیّ أسود راکب علی نجيب]جواد أصيل[متلثّم يستأذن و لايخبر باسمه و يحلف ألّا يحسر اللّثام عن وجهه حتّی يراک.قال: هذا مولای سديف.يدخل.فلمّا نظر إلی أبی العباس و بنو أميّة حوله أحدر اللّثام عن وجهه و أنشأ يقول:

لايَغُرَّنَّکَ ما تَری مِنْ أُناسٍ

 

إنَّ تَحتَ الضُّلُوعِ دَاءً دَويّا

فَضَعِ السّيْفَ وَ ٱرْفَعِ السَّوْطَ حتّی

 

لاتَری فَوْقَ ظَهْرِها أمَويّا

                                                                             (أغانی الأغانی 365:1)

هذان البيتان کانا من الأسباب الرئيسة التی أدّت إلی أن يفتک أبو العباس السفاح بهم فتکاً ذريعاً بحيث لم يبقَ من جموعهم أحد.و الملاحظة الهامة هی أنّ سديف قد تعرّض للعباسيين أيّام خلافة المنصور، کأنّه لم يدرک حقيقة العباسيين ذلک الوقت،لکن سرعان ما انکشفت الحقيقة للشاعر فبدأ بهجاءهم و خاصّةً المنصور و قال أشعاراً فی تأييد محمد النفس الزکيّة و" أصدر]المنصور[ أمره إلی عبد الصمد بن علی حاکم المدينة فی دفنه حيّاً"(ابن عبد ربّه، 72:5-73).

و نراه قد أعلن سخطه على الحكم الأموی بأدبه الفياض الذی هو من أروع ما قيل فی أدب الثورة على الأمويين، إذ نراه يقول:

أمسَتْ أميّةُ قَدْ أظَلَّ فناءها

 

يا قرّةَ العَينِ المُداوِی دَاؤها

أمسَتْ أميّةُ قَدْ تَصْدَعُ شعبَها

 

شعبَ الضَّلالِ وَ شَتَّتَ أهواءها

و لقَدْ سُرِرْتُ لِعَبْدِ شَمْسٍ أنّها

 

أمْسَتْ تُساقُ مُباحَةٌ أحماءُها

فَلأنّ أميّةَ عَبدَ شَمسٍ وَدَّعَتْ

 

لَقَد اضْمَحَلَّ عَن البِلادِ بلاؤُها

 

زَعَمَتْ أميّةُ وَ هی غَيرُ حَليمَةٍ
         


 

أنْ لَنْ يَزُولَ وَ لنْ يهدّ بِناؤُها

 

هَيهاتَ قَدْ سَفِهَتْ أمَيَّةُ دِينَها

 

حتّی أذلَّ صغارَها کُبَراؤُها

لعِنَتْ أميّةُ کم لها مِن سُؤءةٍ

 

معْ سؤءةٍ مَشهورةٍ عوراؤُها

                                                                                                                                                                                       

کان بشّار بن برد-رغم عدم تقديرنا لنتاجه الغزلی- فقد عدّه صاحب أعيان الشيعة من شعراء الشيعة المبرزين الذين هاجم السلطة العباسية و ذکّرها بالمصير الذی انتهی الأمويون إليه،و لابدّ أن نذکر أنّ بشّار لم يمثّل تيّاراً سياسيآً خاصّاً، لکنّه أعرب عن  ضجره وضيقه بصالح بن داود، وهو أخ ليعقوب بن داود وزير الخليفة المهدی، و لفت النّظر إلى شكل آخر من أشكال الفساد، وهو حصر وظائف الدولة فی أيدی قلّه متنفّذة، يقول:

هُمُ حَملوا فَوقَ المنابِرِ صَالحاً

 

أخاكَ فَضَجَّتْ مِنْ أخيك المنابِرُ

                                                                                                                                    فهو يرى أن صالحاً غير مقبول للنّاس، وقد وُضع رغماً عنهم، ولجأ بشار إلى أسلوب التشخيص، فترك المنابر تمقته وترفضه لسوئه وثقله.وبشار واحدٌ ممّن عبرّوا عن استيائهم من تفويض الأمور كلّها إلى الوزير يعقوب بن داود، وتسليمه الدّواوين، وتقديمه على غيره دون متابعة ومراقبة.و نری بشّاراً تناول الخليفة المهدی بهجاءٍ لاذع متّهماً إيّاه بالزّنا مع عمّاته،فأنصت إليه و هو يقول هاجياً:

خَلِيفةٌ يَزْنی بِعمّاتِهِ

 

يَلْعَبُ بِالدّبُوقِ وَ الصّوْلجانِ

أبْدَلَنا اللهُ بِهِ غَيرِهِ

 

وَ دَسَّ مُوسی فِی هَنِ الخيزُرانِ

                                                                                                                                (أغانی الأغانی 255:1)

كان يعقوب بن داود قبل وزارته للخليفة المهدی كاتباً لإبراهيم بن عبد الله بن الحسن، أخی النفس الزكية، وكان إبراهيم خرج فی البصرة، سنة 145 هـ، وباءت ثورته بالفشل،وقُتل هو وأخوه محمد النفس الزكية،فطُلب يعقوب وحُبس أيام المنصور، فلمّا بويع المهدی مَنّ عليه بالعفو، وكان المهدی يخشى تحركات الشيعة الزيدية، فطلب رجلاً لـه معرفة بهم ليأمن به ثوراتهم، فدُلّ على يعقوب بن داود "فاستحضره المهدی وخاطبه فرأى أكمل الناس عقلاً، وأفضلهم سيرة، فشُغف به، و استخلصه لنفسه، ثم استوزره، وفوّض الأمور إليه"(ابن طباطبا 184)ربّما کان هذا الأمر قد حرّض الشاعر علی هجاء يعقوب بن داود، لأنّه أحسّ بمناصرته للعباسيين، فهجاه بالأبيات التالية معرّضاً للعباسيين:

بنی أميّةَ هُبُّوا طالَ نَومُکم

 

إنّ الخليفَةَ يَعقوبُ بنُ داوُد

ضَاعَتْ خِلافَتُکم يا قَومُ فالتَمِسُوا  

 

خَليفةَ اللهِ بينَ الزّقِ و العُودِ

 

                                                                                                                                 (بشار الديوان 94:3)     

هذه الأبيات آذت يعقوب بن داود و أراد أن ينتقم من بشّار، فدخل بين يدی المهدی و قال:"يا أمير المؤمنين إنّ هذا الأعمی الزّنديق قد هجاک.فقال بأیّ شئٍ؟فقال:بما لاينطق به لسانی ولايتوهّمه فکری.فقال له:بحياتی إلّا أنشَدتَنی.فقال:واللهِ لو خيّرتَنی بين إنشادی إيّاه و بين ضرب عنقی لاخترتُ ضربَ عنقی.فحلفَ عليه المهدی بالأيمان التی لا فُسحَةَ فيها أن يُخبِره.فقال:أمّا لفظاً فلا، و لکن أکتُبُ ذلک.فکتبه ودفعه إليه.فکاد ينشقّ غيظاً"(أغانی الأغانی255:1)و کان يعقوب بن داود الباعث علی اتّهام الشاعر بالکفر و الزّندقة بسبب هجائه له علی ما ذکره أبوالفرج کما أنّ سعايته کانت دافعةً المهدیّ علی قتله، و إن ندم الخليفة أخيراً علی قتله بما ظهر له خلاف ما سعی إليه لمّا بعث إلی منزله من يفتّشه فوجد طوماراً جاء فيه"بسم اللهِ الرحمنِ الرحيم إنّی أردتُ هجاء آل سليمان بن علیٍّ لِبُخلِهم فذکرتُ قرابَتَهم من رسولِ الله فأمسکتُ عنهم.فلمّا قرأه المهدی بکی و ندم علی قتله و قال:لا جزی اللهُ يعقوب بن داود خيراً فإنه لما هجاه لفّق عندی شهوداً علی أنّه زنديق فقتلتُه ثمّ ندمتُ حين لايغنی الندمُ"(أغانی الأغانی257:1)و له أبيات أخری فی هجاء يعقوب بن داود (بشّار ،الديوان 212:3):

لِلّهِ درُّکَ يا مهدیُّ من مَلِکٍ

 

لولا اصطِناعُکَ يعقُوبَ بنَ داوُودِ

أمّا النَّهارَ فَتَخماتٌ و قَرقَرَةٌ

 

و اللّيلَ يَأوی إلی المزمَارِ و العُودِ

                                                                                                         (بشّار الديوان 212:3)

کان منصور النّمری شاعراً شيعياًّ آخر لمع اسمه فی هذا العصر و قد تعرّض للمطاردة و القهر السياسی، کما أنّه عرف بتشّيعه الشديد لآل البيت بحيث قرنه أحد الباحثين بدعبل الخزاعی معتقداً أنّه کان يحمل خشبته علی کتفه يريد من يصلبه(انظر:الشکعة615)إذ تناول العباسيين بالنقد و التجريح رغم مديحه للرشيد،فنراه يهجوهم من أجل ما أصاب آل البيت من تعذيب و اضطهاد علی أيديهم.أنصت إليه و هو يقول(النّمری119)معرّضاً بخصومهم العباسيين حاضّاً علی الثورة و الثأر:

آلُ النّبیِّ وَ مَنْ يُحِبُّهُم

 

يَتَطامَنُونَ مَخافَةَ القَتْلِ

أمِنَ النَّصارَی و اليَهُودُ و هُمْ

 

مِنْ أُمَّةِ التّوحِيدِ فِی أَزْلِ

إلّا مَصَالِت يَنْصُرُونَهم

 

بِظُبا الصَّوارِمِ و القَنَا الذُّبْلِ

                                                                                                           (النمری الديوان 119)

نری الشاعر يدعو دعوةً صريحةً إلی ثورة دامية ضدّ العباسيين،و هو يريد ثورةً مسلّحة يشارک فيها الرجال الشجعان المزوّدين بالسيوف الصارمة و الرماح الحادة ،و هی تقوّض أرکان السلطة العباسية الزمنية التی لايشعر فيها آل الرسول الأعظم بالأمن و هم دائماً يحسّون شبح القتل فوق رؤوسهم.و لذلک فإنّ الحصری يذهب إلی أنّ هذه الأبيات هی التی أثارت حفيظة الرشيد عليه فأمر بقتله، و أرسل رسوله إلی رأس العين لينفذ حکم الخليفة فيه فوجده قد مات(الحصری60:2).

و الأبيات التی ذکرناها تکشف عن المناخ السياسی المسموم فی العصر العباسی الأول و ما يسود فيه من جوّ مختنق إذ من يتجاهر بحبّ أهل البيت عليهم السّلام يتعرّض للقتل، و لعلّنا نستطيع بهذه الأبيات أن نفسّر استخدام التورية و ما ذهب إليه الشاعر من ذکر کلمة هارون فی أشعاره و إرادة مدلوله علی أساس رواية عن النّبیّ صلّی الله عليه و آله و سلّم حيث قال:علیّ منی بمنزلة هارون من موسی،کما أنّها تدلّ علی أنّ الشاعر قد بلغ نضجاً فنيّاً بالغاً بخاصة تضمينه الصوری للنصاری و اليهود:و هم فی ظلّ آمن مقابل آل النّبیّ و هم فی الشدّة.و يری صاحب اتجاهات الشعر العربی فی القرن الثانی أنّ النمری بهذه الأبيات أراد أن"يعتذر لاضطراره إلی الکذب فی مدح العباسيين و إنکار حقّ العلويين"(هدارة344).

و له قصيدة لاميّة أخری يقف فی صفّ آل النّبیِّ صلّی الله عليه و سلّم، و أقصد بذلک أبناء الامام علیّ عليه السلام ،يذهب فيها نفس المسلک من هجاء العباسيين و سلطتهم الزمنية التی يعمل القتل فی ذريّة النّبیّ فی وقت يتظاهر الخلفاء العباسيون بالتّقوی، و فيها يعلن الشاعر عن سخطه و يصوغ غضبه و يعرب عن سخريته علی النحو التالی:

شاءٌ مِنْ النّاسِ راتِعٌ هامِلْ

 

يُعَلِّلُونَ النُّفُوسَ بِالباطلْ

تُقْتَلُ ذُرّيَّةُ النَّبیِّ وَ يَرْ

 

جُونَ جِنانَ الخُلُودِ للقاتِلْ

ألا مَساعيرَ يَغْضَبُونَ لَها

 

بِسَلَّةِ البِيضِ وَ القَنا الذَّابِلْ

                                                                                                          (النمری الديوان 121)

و لمّا سمع هارون الرشيد هذه الأبيات"غضب غضباً شديداً و قال للفضل بن الربيع]وزيره[أحضره الساعة،فبعث الفضل فی ذلک، فوجدوه قد توفّی.فأمر بنبش قبره ليحرقه،فلم يزل الفضل يلطف له حتّی کفّ عنه"(أغانی الأغانی985:2)هذه الرواية تدلّ علی أنّ الشاعر قد وفق فکريّاً و فنّيّاً فی هجائه السياسی إلی حدٍّ يثور الخليفة عليه و يأمر علی قتله و نبش قبره و إحراقه.

و نری شعراء آخرين لم يبلغوا فنّيّاً و نضجاً إلی درجة رفيعة فی هجوهم السياسی ، بل وقفوا عند مواقف ضيّقة کانوا يأتون به من حين إلی آخر و هذا ما نراه عند منصور بن سلمة بن الزبرقان الذی ترک الصراحة و لجأ إلی التعريض من بعيد،و أنشد قصيدةً سبّبت من امتعاض الرشيد و هذا أمر بقتله.(انظر:المرزبانی86). 

و کثيراً ما ذکرت المصادر التاريخية و الأدبية أشعاراً هجائية لبعض الشعراء فی هذا العصر، إلّا أنّها لم يذکر اسم أصحابه و نظنّ أنّهم کانوا من الشيعة أخفوا اسمهم خوفاً من السلطة العباسية.کان من بينهم رجلٌ أعمى من أهل بغداد يدعى علی بن أبی طالب[1] وقد اندفع بحدّة وجرأة ونقل ما يجری فی السلطة العباسية من صراعٍ وفوضى، فأشار إلى ظلم الحاشية للرعية، وكشف عن المؤامرات التی تدور بين الأمراء والوزراء ضد بعضهم، وفی لفتةٍ ساخرة من الشاعر أدخل حَلاّق الوزير إلى إطار الحكم، وأشركه فی الصّراع الذی يدور، وانتقد مبايعة الأمين لطفله الصغير قبل أن يعی شيئاً عن الحياة، يقول:

أضَاعَ الخِلافَةَ غِشُّ الوَزيرِ

 

وَ فِسْقَ الأميرِ و جَهْلُ المُشيرِ

لِواطُ الخَليفَةِ أُعْجُوبَةٌ

 

و أعْجَبُ مِنْهُ حَلّاقُ الوَزيرِ

فَهذا يَدُوسُ وَ هذا يُدَاسُ

 

کَذَاکَ لَعُمْری خِلافُ الأمُورِ

وَ أعْجَبُ مِنْ ذَا و ذَا أنَّنا

 

نُبايِعُ لِلطّفلِ فِينا الرَّضيعِ

وَ مَنْ ليسَ يُحْسِنُ غسْلَ اسْتِهِ

 

وَلم يَخلُ مِنْ بولِهِ حِجْرُ ظِيرِ[2]

وَما ذاکَ إلّا بِفَضْلٍ وَ بَکْرٍ

 

يُريدانِ طَمْسَ الکِتابِ المُنيرِ

و ما ذانِ لولا انقْلابُ الزَّما

 

نِ فِی العير هذانِ أوْ فی النَّفيرِ

                                                                                                                    (السيوطی 298)

و علی هذا الأساس وصف نکلسون نظام الحکم العباسی بأنّه نظام استبدادی کان مألوفاً عند الفرس منذ أيّام داريوس، و أنّ العباسيين حکموا البلاد حکماً مطلقاً علی النحو الذی کان يحکم به ملوک آل ساسان قبلهم(نيکلسون256).



[1]- المسعودي: مروج الذّهب ومعادن الجوهر، شرحه عبد الأمير علي مهنا، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1991م، ج3، ص433.

[2] -حجر ظير: أراد حجر المرضعة، لأن الظؤورة تعني المرضعة، انظر اللسان، مادة ظأر .

العودة من الحياة

هل قلتُ موتی

لا موت هناک

هناک فقط تبدیل العوالم

محمود درویش یکی از مهمترین قصائد خود"خطبة الهندی الأحمر أمام الرجل الأبيض"  در مجموعه شعری"أحد عشر کوکباً" را با این عبارات آغاز کرده است.آنچه محمود درویش در طول این قصيدة بدنبالش بوده این است که بگوید:مرگ سرآغاز و بلکه سرآغازهاست چون زندگی دیگری را به دنبال دارد.چیزی که مرد سفید رنگ نفهمید.

این کلمات چندان تفاوتی با فرموده قرآن ندارد که:ولا تحسبَنّ الذين قُتِلوا فی سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون.روح انسان قادر است تاریکی این زندگی را شکافته و ناشناخته های دیگری را کشف نماید که از دید ما پنهان است و ما آن را نمی بینیم.

محمود درویش در لابلای قصیده سیاتل این نکته را گوشزد میکند که دنیا شایسته است که درآن زندگی کنیم،به شرطی که زندگی بعد از آن را فراموش نکنیم.زندگی در مرگ و بعد از آن را.و لازمه آن این است که به روح طبيعت احترام بگذاریم و روح طبيعت نیست مگر ذرّات شناور در فضاهای وجود لا يتناهی. 

دانلود نمونه سؤالات آزمایشگاه زبان

دانلود نمونه سؤالات مکالمه۳

دانشجویان عزیز برای دریافت خبر عربی روی کلمه دانلود کلیک فرمائید

گاهی

تو حتی لب به سخن نگشوده ای

و من به پایان آنچه خواهی گفت رسیده ام

--------------------------------------------

من

غالبا تصور می کنم که

در قله کوهی زندگی می کنم

که طوفانی ترین دشت جهان است

نه سردترین آن

آیا چنین جایی در دنیا وجود دارد؟

اگر وجود دارد

من روزی به آنجا خواهم رفت

و قلبم را به نقاشی ها و

شعرها

واگذار خواهم کرد

----------------------------------

هنگامی که دست روزگار سنگین

و شب

بی آواز است

زمان عشق ورزیدن و اعتماد است

و چه سبک است دست روزگار

و چه پر است آواز شب

هنگامی که آدمی عشق می ورزد

و به همگان اعتماد دارد.

تو هر که باشی

مرا دل شکسته و نومید نخواهی کرد

من هیچ خیالی در سر ندارم

که بخواهم تو کسی باشی

که من می خواهم باشی

یا رفتارت به دلخواه من باشد

من بر آن نیستم

که بخواهم آینده تو را پیش بینی کنم

من فقط می خواهم تو را کشف کنم

تو مرا دل شکسته و نومید نخواهی کرد

نمی خواستم بنویسم، ولی نا نوشتن رنجم میداد، دلم پر بود از نامردی ناکسان، که می خواستند به زعم خویش انسان بودن را به دیگران بیاموزند،آبرویی برای خود نزد دانشجو نخریدند، اندک بضاعتشان را فروختند تا چندر غازی گیرشان بیاید.اینان را چه شده است که به تعریف و تمجید دانشجو محتاج، و به بدگویی از دیگران مشتاقند.حال آنکه سخن عطار را نفهمیده اند که: مشک ان است که ببوید نه آنکه عطار بگوید.دلشان به این خوش بود که نزدشان از دیگری بد گفته شود، و الّا کینه به دل می گرفتند، و اینان کینه شان شتری بود.

بعد از چهار ترم تدریس در پیام نور ارومیه تصمیم گرفتم عطایش را به لقایش ببخشم.به قول عزیزی جایی که نه دانشجوش احساس دانشجویی می کند و نه استادش احساس استادی. ما رفتیم تا عده ای آسوده خاطر باشند.اعتراف می کنم چیزی نداشتم به دانشجو بیاموزم، ولی ادعای داشتن نداشتم.و خیلی ها ادعای داشتن، داشتند ولی به جانم قسم می خورم که چیزی بارشان نبود، از عربیت فقط الفش را خوانده بودند و با یایش فرسنگها فاصله داشتند.کافی است کتاب از دستشان می گرفتی تا به روز امام محمد غزالی می افتادند آن روز که راهزنان سوادش را دزدیدند.و...